Sunday 16th April,200612253العددالأحد 18 ,ربيع الاول 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

تجربة خالد الفيصل: تجربة خالد الفيصل:
تقليص الفجوة بين صانع القرار... ومنفذه
د. صالح بن سبعان*

يبدو لي أن تجربة الأمير خالد الفيصل مع عسير لم تجد أو تأخذ حظها من الدراسة.
فلطالما نحن نصرخ ليل نهار ننادي بضرورة قراءة تجارب المسؤولين ونتائجها، السلبي منها والإيجابي، لاستخلاص الدروس والعبر من هذه وتلك بغرض الارتقاء بالعمل العام بما يحقق الأهداف، التي لا اختلاف في توجهات ولاة الأمر عليها.
***
بديهيات إدارية
خذ مثلاً أن واحدة من أخطر الأشياء في المسيرة الإدارية للدولة تتمثَّل في هذا الظل الإداري الثقيل الذي تعاني من وطأته (الأطراف).
ورغم التقسيم الإداري للمملكة إلى مناطق، وإسناد مسؤولية الإشراف عليها على ولاة الأمر، إلا أن المسؤولين التنفيذيين بالمناطق لم يستفيدوا من هامش حرية الحركة الإدارية الممنوحة لهم ولإدارات المناطق.
ولست بصدد البحث عن أسباب هذا القصور.
إلا أن الفكرة بحد ذاتها تعتبر من الوصفات الكلاسيكية والمؤكَّدة، أي أن تعطي هذه الإدارات هذا الهامش لحرية الحركة الإدارية في إدارة شؤون المنطقة لأنها الأدرى باحتياجات المنطقة، ولأنها الأقرب إلى نبض حركتها اليومية.
لقد كتبت من قبل، وأنا أتناول مشكلة التعليم بأن الإدارة المدرسية هي الأقرب إلى احتياجات المدرسة والأقرب إلى إيقاعها اليومي.
وأن الإدارة التعليمية بالمنطقة هي الأقرب إلى إدارة المدرسة.
وأن وزير التربية والتعليم المركزي بالتالي بعيد عن هذا الإيقاع بحكم إشرافه على إدارات التعليم بكل مناطق المملكة، ثم هو أبعد ما يكون عن إدارات مدارسها.
ولكن هذا الأمر لا ينطبق فقط على القطاع التعليمي، وإنما يصح كقاعدة لكل القطاعات الأخرى الإنتاجية والخدمية.
ويعتبر هذا من بديهيات علوم الإدارة.
فمن أين يأتي الخلل إذن والذي يحول دون توفير الخدمات التي تبذلها الدولة من أجل رفاه مواطنيها..؟
الخلل يأتي عن طريقين:
- إما تقاعد وقصور وفشل الكوادر المنفذة للتوجهات الإستراتيجية لصانع القرار.
- وإما لفشل الموَكَّل من قبل صانع القرار، في التوجيه الصحيح لإرادة صانع القرار.
- إما لعدم استيعابه لهذه الإستراتيجية، أو لفشله في متابعة تنفيذ القرار.
وأياً كانت الأسباب في هذا وذاك.. إلا أن النتيجة واحدة.. وهي: عدم إنفاذ توجهات صانع القرار.
***
هذا النزيف.... والحل
لقد اطلعت عن قرب على (تجربة) الأمير خالد الفيصل مع إمارة عسير، وربما هذا يسمح لي بأن أدلو بشهادتي عمّا شاهدته ولمسته.
لقد فهم سموه أن وظيفة أمير المنطقة والمشرف على إدارتها بأنه وكيل عن صانع القرار - الملك وبالتالي فإنه ليس مفوّضاً فحسب، بل مأمور بإنفاذ إرادة الملك - صانع القرار لتحقيق رفاه المنطقة التي أسندت مسؤوليتها إليه.
بهذا الوعي فتح أمير المنطقة أمامه آفاقاً واسعة للتحرك الإداري، فليس من مسؤولية ولي الأمر أن يكون مسؤولاً إدارياً وتنفيذياً عن الإمارة التي تقع تحت مسؤولياته.
وتأتي الآن الخطوة الثانية:
ثمة هجرة من هذه المنطقة نحو المراكز.
هذا في حد ذاته يشكّل نزيفاً في قدرات المنطقة حين تهاجر كفاءاتها وأياديها العاملة.
***
ما الحل؟
وكيف تبنى المناطق إذا كان أبناؤها يهجرونها؟
إذن السؤال الصحيح هو: لمَ يهاجرون؟
الإجابة: يهاجر الإنسان بحثاً عن العمل والعيش الكريم، أو للتعليم، أو العلاج وغيرها من الاحتياجات.
بالنسبة لخالد الفيصل كان السؤال:
لماذا لا تتوفر لهذا الإنسان هذه الاحتياجات ليحقق إنسانيته ويحتفظ بكرامته وينعم بدفء القرب من الأهل والعشيرة، ثم يحقق طموحاته وذاته؟
ولكن كيف؟ وهذا هو الحل..
المسألة بالنسبة إليه كانت أبسط مما يتصوّر أي إنسان.. ولكنها كانت أشبه بالمعجزة.
ثمة مواطنون يتوزعون في مناطق هي قريبة من بعضها، ولكنها بعيدة، ويباعدها سوء الاتصال وتعثّر المواصلات. فلماذا لا تدمج في قرى تتوفر بها وسائل العيش الكريم المستقر.
وهكذا أقام المجمعات السكنية المتقاربة، وهذا يوفر لها الخدمات من كهرباء ومياه للشرب والزراعة والرعي، وبالتالي إقامة المرافق الصحية والتعليمية والعلاجية والترفيهية.
هل تعلم ما حصيلة ذلك؟
على مستوى الأهداف الإستراتيجية العليا للدولة فإن هذا سيقيم التوازن الديمغرافي في الدولة.
علماً بأن الاختلال الديمغرافي أي التوزيع السكاني للدولة، حيث تتركّز الكثافة السكانية من مواطني الدولة في رقعة صغيرة، كالمدن المركزية في مساحة ضيقة، بينما تخلو، أو تكاد تخلو أطراف الدولة وحدودها وبقية مناطقها من السكان، الأمر الذي يخل بتوزيع السكان، وما يترتب على ذلك من مخاطر على الأمن الوطني.
يظل هذا واحداً من أكبر التحديات التي تواجه الدول النامية في عصرنا.
وحينما حاول المفكرون في البحث عن حل لهذه المشكلة لم يجدوا حلاً أنجع من الحكم اللا مركزي، حيث تتولَّى إدارات المناطق مباشرة الإشراف على تلك المناطق.
وأن هذا فيما يجب أن نؤكّده لا يقتصر على مجرد إيصال وتوفير الخدمات لتلك المناطق البعيدة عن الظل المركزي، بل حتى تنشيط وتفعيل إمكاناتها الإنتاجية الذاتية.
ولعلنا - فيما نعلم جميعاً - لن نرهن أنفسنا للبترول والصناعات البتروكيميائية، فلا بد من أن نفعّل قوانا الإنتاجية الأخرى - الزراعية والسياحية وغيرها - حتى نضمن أو نؤمِّن لأنفسنا موارد اقتصادية بديلة أو رديفة لمصادرنا البترولية.
وليس من سبيل لتحقيق هذا إلا باستثمار أقصى ما يتيحه لنا هذا النظام الإداري.
وإن عملية تفعيل موارد الإمارة الاقتصادية يعكس هذا الوعي بضرورة استغلال هامش حرية الحركة الذي يوفره نظام حكم المناطق، حيث تعتمد المنطقة على ذاتها في عملية التنمية.
وبقراءة سريعة للتحولات الاقتصادية لمنطقة عسير تستطيع الأرقام أن تعطي مثالاً واضحاً على ما نعنيه بأن نظام حكم المناطق يمكن أن يعطي مردوداً إيجابياً نحو استغلال موارد كل منطقة اقتصادياً بما يمكِّنها من إنجاز خططها التنموية اعتماداً على قدراتها الذاتية.
فمنطقة عسير التي لم يكن بها مصانع في عام 1390هـ أصبح بها 84 مصنعاً في عام 1425هـ، وقفز عدد المؤسسات والشركات بها خلال الفترة نفسها من 280 إلى أكثر من 25 ألف مؤسسة وشركة.
نتيجة لهذه العملية التي تمت وفق خطط وبرامج مدروسة، حيث بلغت إيرادات شركة أسمنت الجنوب 6 مليارات، فيما وصلت إيرادات الشركة الوطنية للسياحة في نهاية عام 1425هـ إلى ما يقارب 600 مليون ريال، هذا غير إجمال الاستثمارات في المصانع بالمنطقة والتي شارفت المليارين.
ليس ذلك فحسب، بل أكثر من ذلك حيث احتلت منطقة عسير مرتبة متقدِّمة في تصدير المنتجات الاستهلاكية للخارج وفي مقدّمة هذه السلع الأسمنت والمياه الغازية والدهانات المنزلية وغيرها، وقد بلغ إجمالي صادراتها إلى خارج المملكة حوالي مليار ونصف المليار ريال.
***
خاتمة
على كل، خالد الفيصل فعل هذا وعن جدارة، ولست في مجال المقارنة به مع غيره، ولكن اعتبرها تجربة ناجحة وبكل المقاييس، وحبذا لو عملنا على تطبيقها وتعميمها فإنها، فيما أزعم الطريق الوحيد الذي يفضي إلى نتائج نتوق جميعاً إليها.

* أكاديمي وكاتب سعودي

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved