*نواف بن جار الله المالكي:
منذ أن سطع نجم الشاعر معتوق الزبيدي المالكي كأحد عمالقة الشعر في المنطقة الجنوبية إلى خبر وفاته، بين هاتين المحطتين هناك مسيرة إبداع استمرت قرابة ثمانين عاماً هي العمر الشعري للشاعر؛ حيث إنه أبدع الحرف وجوّد الكلمة منذ بواكير صباه، وظهرت عليه بوادر النبوغ والإبداع وهو لا يزال في سن مبكرة. هذه المسيرة قل أن تواكبها مسيرة شاعر؛ فمعتوق الزبيدي استطاع أن يطرق أبواب الشعر جميعها حتى فتحت أمامه على مصاريعها طائعة مختارة، فهو في كل أنواع الشعر إما أن يؤسس مدرسة أو يعيد هيكلة مدارس، فلقد جدد في كثير من الصور وأتى بإبداعات جديدة وخرج عن التقليدية السائدة والنمطية المعهودة، مع الحفاظ على البنية العامة للموروث الشعبي؛ فلقد أبدع في العرضة، والقلطة، وأبدع في المروبع والمثولث، وكتب في الفصيح، ولقد كان رهانه على الحرف والكلمة اللذين يحملان المعنى الجميل والمبنى القوي، والذي خدم الشاعر أنه التحق بالسلك العسكري منذ زمن مبكر حيث سنحت له الفرصة لمقابلة كثير من الشعراء في مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف، فكان لتلك المرحلة عظيم الأثر في صقل موهبته الشعرية.
معتوق الزبيدي حين تقف أمامه وتسمع منه الشعر، وتسمع ما يقوله الشعراء عنه فكأنك تقف أمام بحر كل شيء فيه جميل، وأكثر الأشياء فيه مخيفة، وهدوء ووضوح، وغموض مبهم، وحين تهدر قريحته بالشعر فإنها تتدفق وتتلاطم كالأمواج، وحين يشبك حباله للشعراء، ويضعهم في مكتنفات غموضه، فأعتقد أنه لا ينجو منها حتى الذكي، فلقد كان بحرا من الإبداع وكثير من الشعراء بجانبه هم روافد، وكان قمة شامخة والكثير ممن حوله تلال، هذا كلام بعض أقرانه عنه!
ولقد اتفق على شاعريته القريب والبعيد، والصديق الودود واللدود، حتى أولئك الذين تقوست سيوفهم واستقامت أقواسهم وخرجوا من النزال رافعين أيديهم اعترافاً وعرفاناً واحتراماً، ما زال الحي منهم مقراً باعترافه وعرفانه، ولست أبالغ حين أقول إن تجربة هذا العملاق لا تزال مورداً صافياً ومنهلاً عذباً لا يورد إليه إلا من يحترم الشعر ويطمح إلى الإبداع، وأنا حين أتحدث عن هذا الشاعر الكبير أعلم بأن هناك الكثير من القراء لا يعرف عنه شيئاً؛ لأن هذا الشاعر ترك الشعر منذ نحو ثلاثين سنة، ولأن كثيراً من أقرانه في الساحة الشعرية قد انتقل إلى رحمة الله، أو يعيش آخر أيام خريف العمر.
ولم تكن تجربة معتوق الزبيدي محصورة في بيئته فقط بل إنه قابل شعراء بني مالك أمثال الحميم، وحوقان، وابن جمعان، وعيضة بن طوير، وعبادل، وابن سليم، وعلي بن زايد، وشعراء بلحارث أمثال سعيد البقار، وسعد بن مرعي، والكثير من شعراء غامد وزهران وحرب وعتيبة، وغيرهم مثل الصفراني ولويحان.
هذا الشاعر لم يكن أجمل من خلقته إلا أخلاقه، ولم يكن أجمل من رزانته وهدوئه إلا مرحه وخفة ظله وتواضعه، ولم يكن أجمل من صوته إلا تلك الصور التي يصورها بألحانه الجميلة، فكأنك تنظر إلى لوحة رسمت بريشة فنان تتلمذ في جميع مدارس الفن التشكيلي، فلقد امتلك مقومات الشخصية التي صنعت منه شاعراً مبدعاً من الطراز النادر، ولقد كان في شبابه يتصدر الرقم الأول بين شعراء العرضة، ومن بعده يبدأ العد التنازلي وليس التصاعدي، ومن خلال استقرائي وجهات نظر جمهوره من بعض المعاصرين فإنه الشاعر الوحيد الذي يحظى بثقة جمهوره ثقة مطلقة بعد أن أثار الجدل فترة ليست بالقصيرة، وهذا شأن المبدعين.
رحم الله أبا صالح فلقد تصدر الرقم القياسي في الساحة الشعرية حتى تركها محتفظا بالصدارة، واختار أن يكون إماما للناس في صلاتهم، فعمل بذلك حتى أوهنه الكبر فلزم بيته، وعاش روحانيته حتى جاءته بوادر الوفاة وهو ساجد لله تعالى عن عمر يناهز الخامسة والتسعين... رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
|