انتقل وسط الأسبوع الماضي الشيخ صالح بن عبدالله السلمان رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ورزق أهله وأولاده وأحبابه وأصحابه الصبر والسلوان، وأعاننا على ما أعانه عليه آمين.. وهو عَلم معروف في دروب الخير والعطاء والجود والبناء وكم قيل المعروف لا يعرف، ومع ذلك فقد عرف به كثير من معزيه بأنه (ابن مدينة بريدة البار.. رئيس لجنة أهالي منطقة القصيم)، وأعتقد ليس من باب التهوين من دور القطاع الحكومي والخاص في المنطقة أن هذه اللجنة التي شرّفت برئاسته كانت مشاركاً فاعلاً في صنع التنمية الحضارية في القصيم خاصة مدينة بريدة، هذا الجزء من وطننا الغالي المملكة العربية السعودية، والتأكيد على وجوب وجود مثل هذه اللجنة في جميع مناطق ومحافظات المملكة، يسوقنا إلى الحديث عن أهمية تفعيل (مؤسسات المجتمع المدني) كما تسمى في أدبيات الفكر التنموي المعاصر أو اللجان الأهلية أو بلغتنا الدارجة المعروفة الأعيان، ممثلي الأهالي وكبار الديرة، إذ هي اليوم توسم بالقطاع التنموي الثالث، وهذا يعني أن هناك أولاً وثانياً، أما الأول فهو القطاع الحكومي الذي يشهد في ظل العولمة رضينا أم أبينا تراجعاً عاماً في جميع بلاد العالم قاطبة خاصة في القطاع الخدمي والاستثماري، أما القطاع الثاني فهو القطاع الخاص الذي يقوم على رأس المال الاقتصادي وتؤسس اعتباراته على الربح والخسارة، فلا يعرف إلى لغة المال، ولا يتحرك يمنة أو يسرة إلا وفي حسبانه وبين عينية الربح أو الخسارة المقبولة تمهيداً لعملية أكبر أو تسجيلاً لموقف جزماً سيستفيد منه مالياً في المستقبل، ويأتي القطاع الأهلي برأس مال اجتماعي لا يحسب حسابات الربح والخسارة المادية الذاتية ولا يوليها أولوية على حساب المصلحة العامة للمنطقة والمحافظة على رقي البلد وتقدمه والسعي الحثيث على فعل ما من شأنه تحقيق نهضة أفضل وتنمية أشمل وتماسك اجتماعي وتكافل ومساعده حقيقية للفئات المحتاجة وذات العوز، ومن ثم يصبح هذا القطاع معنياً بالدرجة الأولى بتطبيق وتنفيذ دلالات التنمية الحقيقية في المجتمع بما يملكه من قنوات الاتصال والتنسيق مع جهات الاختصاص في القطاع الحكومي (الأول)، وبعلاقاته المبنية على الثقة التي يقيمها مع القطاع الخاص (الثاني) وقدرته على تشخيص احتياجات البيئة والمجتمع المحلي بتفاصيلها وأنواعها المختلفة والمتفاوتة من منطقة لأخرى، ولذا برزت قيمة اللجان الأهلية ومؤسسات هذا القطاع وسيكون لها جزماً دور أكبر في المستقبل التنموي المنظور كدائرة تتقاطع محاورها وأقطارها وتتشابك وتتعاضد لا لتسود وتمسك بزمام الأمور ويكون لها سلطة اتخاذ القرار ولا لتربح مادياً وإنما من أجل أن تصل إلى معادلة البناء الفعلية القادرة على توظيف الأنظمة وجزءاً من الأرباح الاقتصادية في الوفاء بالاحتياجات الحقيقية للبيئة والمجتمع المحلي على مستوى الأفراد والأسر، بل وحتى المؤسسات التربوية والخدمية الرسمية وهذا سينعكس جزماً على الوضع العام اجتماعياً وصحياً وتعليمياً وثقافياً و... ولا أدل على هذه الأهمية والدور الذي لا بد أن يلعبه القطاع الأهلي في التنمية من مناقشة مجلس الشورى يوم الأحد الماضي لنظام الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني المكون من (43) مادة ودعوته إلى إنشاء صندوق باسم الصندوق الوطني لدعم الجمعيات الأهلية، ومع هذا وعلى الرغم من عدم الاختلاف غالباً في الأوساط الثقافية، بل وحتى الشعبية حول أهمية هذا القطاع يبقى السؤال المهم حول الواقع بنماذجه وتجاربه المتعددة، إذ يشهد واقعنا كما يعرف جلّنا نجاحات منقطعة النظير في منطقة أو جمعية أو لجنة ما في حين تشير المؤشرات إلى إخفاق بعضها الآخر في منطقة أخرى أو مؤسسة اجتماعية أهلية ثانية وثالثة، ما السر الكامن خلف ذلك؟ هل يرجع الأمر إلى أنماط الإدارة المطلوبة في العمل الأهلي التطوعي، وقوة القائد وفهمه للأمور، وحسن ترتيب الأولويات، والقدرة على رسم الخطط، وامتلاك حسن الإقناع مع وجود علاقات متميزة وجيدة على أعلى المستويات أم أن هذا عائد إلى تفاوت القدرة من منطقة لأخرى في الإيمان بأهمية المشاركة والتعامل على أسس تستوعب المكونات الأساسية لثقافة المجتمع المدني؟ والسؤال الأخير الذي تبقى الإجابة عليه لدى كل منّا بفعله لا بقوله هو باختصار: هل آن الأوان أن يحظى هذا القطاع التنموي المهم بالمشاركة الفعلية الإيجابية من قبل شريحة عريضة من المجتمع، وهل سيكون المواطن مشاركاً في تطوير المجتمع وتنظيم العمل الأهلي؟ الأمل بالله ثم بالمواطن السعودي كبير.
|