لا يمكن للمنصفين أن يغفلوا الأعمال الإيجابية التي حققتها هيئة السوق المالية خلال السنتين الماضيتين؛ فالهيئة اجتهدت كثيراً لتنظيم السوق وإصدار القوانين ومراقبة سلوك المضاربين، وساهمت في جعل عمليات التداول المنفذة أكثر سلامة من ذي قبل. إلا أن هذا الإقرار المستحق بإيجابيات هيئة السوق المالية يجب ألاَّ يمنعنا من تناول الموضوع من جوانبه المختلفة، وألاَّ نكتفي باجترار الإيجابيات وغض الطرف عن السلبيات التي أدت إلى تدهور السوق ومعانقته قاع الانهيار. لا أعتقد بإمكانية تناول موضوع الهيئة من جوانبه المتعددة في مقالة واحدة، إلا أنني سأحاول التركيز على الجانب المتعلق بصناعة السوق وضبط إيقاعه في حدود نقاطه الفنية والأساسية بعيداً عن الانهيارات، ومقارنة ذلك مع الوضع القائم قبل أن تبدأ الهيئة في ممارسة مهامها الإشرافية على سوق الأسهم السعودية. قد يعترض البعض على أساس أن مسؤولية الهيئة تنحصر في إصدار التشريعات ومراقبة السوق، ولا علاقة لها بصناعته. وهو اعتراض يمكن القبول به جزئياً، إلا أن تدخل الهيئة المباشر في مجريات السوق، وتحجيمها لصناع السوق المنضبطين، وتأثيرها في اتجاهات بعض الأسهم من خلال القوانين والإعلانات، وغضّ طرفها عن ارتفاعات أسهم المضاربة حتى أصبحت معول هدم لسوق الأسهم، يجعلها طرفاً فاعلاً فيما يتعلق بصناعة السوق، وخصوصاً أنها تستحوذ على جميع المهام المتعلقة بسوق الأسهم دون استثناء.
خلال الأعوام الماضية، وقبل إنشاء الهيئة، تعرضت السوق لفترات تصحيحية مختلفة، وهي أمور صحية تمر بها جميع الأسواق المالية العالمية، إلا أن تلك الفترات كانت أقل حدة مما هي عليه في وقتنا الحالي. في ذلك الوقت كنا نعتقد خطأً بأن بعض تلك التصحيحات يمكن أن نعتبرها نوعاً من أنواع الانهيارات، حتى عايشنا الانهيار الحقيقي فأيقنَّا أن ما حصل في الأعوام الماضية لم يكن إلا نوعاً من جني الأرباح وليس التصحيح مقارنة بانهيار فبراير 2006م الذي لا زال يواصل تبعاته القاتلة.
دخلت سوق الأسهم في شهر سبتمبر من العام 2003م إحدى مراحلها التصحيحية بعد أن بلغ المؤشر في ذلك الوقت 4563 نقطة، واستمر التصحيح مدة أسبوعين تقريباً فقد المؤشر فيها ما يقارب من 770 نقطة فقط؛ أي ما يعادل 17% من المؤشر العام. وفي شهر مايو من العام 2004م هبط المؤشر من 6455 نقطة إلى 4931 نقطة تقريباً بخسارة 1523 نقطة؛ أي ما نسبته 24% من المؤشر العام. استمر تصحيح مايو(انهيار مايو في الثقافة السابقة) ستة أسابيع تقريباً.
التصحيحان السابقان حدثا قبل تولي هيئة السوق مهامها الرسمية، ثم حدثت بعض التصحيحات في عهد الهيئة نتجاوزها إلى انهيار فبراير المدمِّر. انطلقت شرارة الانهيار في 25 فبراير الماضي بعد أن عانق المؤشر 20966.58 نقطة؛ حيث فقد المؤشر خلال رحلة الانهيار التي لم تتوقف بعد أكثر من 8100 نقطة؛ أي ما نسبته 39% تقريباً، واستمرت رحلة الانهيار منذ فبراير الماضي حتى يومنا هذا.
بمقارنة بسيطة بين الفترتين نجد أن تصحيحات السوق التي سبقت ظهور الهيئة كانت أقل تأثيراً على المؤشر والمتداولين من التأثير الذي أحدثه الانهيار الحالي في عهد هيئة السوق، ما جعلنا نجزم بأن التصحيحات السابقة كانت أقرب إلى جني الأرباح منها إلى التصحيح مقارنة بما تشهده سوق الأسهم في وقتنا الحالي.
ما الذي حدث في السوق؟ وهل من الممكن أن نعتبر هيئة السوق المالية سبباً من أسباب الانهيار؟
دخول هيئة السوق كلاعب رئيس في سوق الأسهم أعاد هيكلة السوق من جديد على أسس نظامية رسمية، وهو ما جعل صناع السوق يتنازلون عن دورهم الفاعل في حفظ توازن السوق لمصلحة الهيئة التي كان من المفترض أن تأخذ على عاتقها تحسين أداء السوق وقيادته نحو الانضباطية. سعت الهيئة منذ بداية أنشطتها في السوق إلى تحجيم دور الصناع الرئيسين وعدم التواصل معهم فيما يعود بالنفع على السوق والمتداولين، معتقدة أنها تستطيع أن تدير السوق بمعزل عنهم اعتماداً على الأنظمة والقوانين، وهو اعتقاد أثبتت الوقائع عدم صحته.
التباعد الكبير بين هيئة السوق والصناع أدى إلى تعقيد عمل الهيئة، وساعد كثيراً في عدم استقرار السوق وتعرضها لذبذبات عالية من النقيض إلى النقيض. كتبت بتاريخ 29-1-2005م عن تلك المشكلة التي قادت السوق إلى الهاوية من خلال مقالة نشرت في (الاقتصادية) تحت عنوان: (الانسجام والتفاهم بين هيئة سوق المال والمحركين الأساسيين للأسهم هما السبيل الأمثل لتطوير السوق). كانت المقالة تمثل ورقة عمل حقيقية لتطوير السوق، واستشرافاً للمستقبل، وهو ما يمكن قراءته في وقتنا الحالي بكل وضوح.
فيما مضى (الفترة التي سبقت قيام الهيئة) كان صناع السوق يمتلكون وسائل تمكنهم من ضبط إيقاع السوق والتحكم في تحديد مستوياتها التصحيحية بناء على النقاط الفنية والعوامل الاقتصادية المحيطة. كان الصناع يستخدمون الأسهم القيادية بحرفية متناهية لضبط إيقاع السوق من خلال تبادل المراكز القيادية. كان سهم الكهرباء يمثل أكثر أدوات صناع السوق فاعلية للحفاظ على رتم السوق وإكسابها التوازن المطلوب. كانت استراتيجية الصناع ترتكز على تثبيت سعر سهم الكهرباء في نطاق تذبذبي ضيق كي لا يؤثر في المؤشر العام لدورة كاملة، وتترك حرية الحركة لباقي أسهم السوق. فإذا بدأت أسعار الأسهم الأخرى تصل إلى مستويات مبالغ فيها بدأ الصناع في ضخ سيولتهم في سهم الكهرباء الذي يبدأ في التحرك فتتحول السيولة تلقائياً من أسهم المضاربة والأسهم الأخرى إلى سهم الكهرباء، ما يحدث تصحيحاً لجميع الأسهم المبالغ في أسعارها عدا الكهرباء التي تواصل الارتفاع حتى تصل إلى نطاق جني الأرباح أو التصحيح فتعود من جديد إلى حيث أتت، ثم تبدأ الدورة التي تليها، وهكذا دواليك. ذلك الأسلوب الذكي هو الذي حفظ للسوق توازنها ونأى بها عن المنزلقات الخطرة على الرغم من المخالفات التي كان يرتكبها بعض الصناع في ذلك الوقت. تحجيم دور الصناع أثر سلباً في توازن السوق وقادها في أحيان كثيرة نحو حافة الانهيار.
لم تكتفِ الهيئة بعزل صناع السوق عن تحمل مسؤولياتهم لحفظ توازن السوق، بل إن الهيئة كانت تتعمد التدخل لعرقلة سهم الكهرباء؛ أداة التوازن الأولى، ومنعه من التحرك من خلال قراراتها المعلنة، وكأنها أرادت أن ترسل إشارات محدده للمتداولين مفادها استحالة السماح لسهم الكهرباء بالارتفاع. تلك الإشارات هي التي أرغمت المستثمرين على ترك سهم الكهرباء والتحول عنه إلى أسهم المضاربة التي لم تتحمل سيولتهم الضخمة؛ ما أدى إلى ارتفاعها بشكل خرافي تجاوزت في قيمها أسهم سابك والاتصالات والبنوك، وهو ما قاد السوق إلى الانهيار.
باختصار شديد، يمكن القول بأن سوق الأسهم السعودية كانت أكثر استقراراً وثباتاً مما هي عليه الآن، وخصوصاً فيما يتعلق بتضخم المؤشر والأسعار وطريقة إدارة السوق الفنية، ويمكن أن نرجع السبب في ذلك إلى قوة صناع السوق المالية وكفاءتهم الفنية اللتين كانتا تسخران من أجل حفظ توازن السوق وحمايته من الانهيارات، وهي حماية شخصية للصناع أنفسهم لكنها تنعكس على السوق والمتداولين. أولئك المستثمرون كانوا يمثلون صناع السوق المتطوعين حتى أرغموا على التنازل عن عملهم التطوعي لمصلحة الأنظمة والقوانين التي لم تستطع حماية السوق والمتداولين من الانهيار. نجحت الأنظمة والقوانين في كشف المخالفين وتغريمهم، لكنها لم تستطع حماية أموال صغار المستثمرين من الضياع. كان من الأجدى لو أن الهيئة فتحت باب الحوار والتعاون مع صناع السوق المنضبطين تحت مظلة النظام من أجل توظيف قدراتهم المالية والفنية لدعم السوق وحفظ توازنه بدلاً من أن يشكلوا مستقلين موجة ضاغطة على السوق والمستثمرين. تشكيل فريق متجانس من صناع السوق المنضبطين المتعاونين مع الهيئة والعاملين تحت إشرافها يمكن له أن يعيد للسوق توازنها المفقود وهيبتها المستباحة.
أخيراً، يمكن القول بأن سوق الأسهم السعودية لم تشهد تضخماً حقيقياً في أسعار الأسهم ومؤشر الأسعار إلا بعد أن تولَّت هيئة السوق المالية مهمة الإشراف على السوق، والأمر نفسه يندرج على الانهيار الكبير الذي لا زال المستثمرون يبحثون عن قاعه حتى اليوم، ما يجعلنا نعيد طرح السؤال مرة أخرى ونقول: أيهما كان أكثر كفاءة في ضبط توازن السوق: الصناع المنضبطون (أستثني منهم المخالفين) أم هيئة السوق المالية؟
|