أحسنت وزارة الشؤون الإسلامية صنعاً بإحكامها القبضة على ما يُنشر في المساجد وما يُوزع وما يُلصق على حوائطها.. فقد كنا إلى وقت إعلان الوزارة المنع والرقابة.. نرقب تسلّل الأدلجة بنفثاتها القوية والطاغية ومحاولات بعض الاتجاهات المتوالية إلى تحوير مهمة المسجد من دار للعبادة وتنمية السلوكيات الإيجابية في المجتمع وتوثيق عرى الإسلام الوسطي المعتدل بين الناس..
إلى محاولات جادة وناجحة إلى اتخاذه وسيلة لبث أفكار مؤدلجة ومتقاطعة في أحيان كثيرة مع مصالح الوطن، بل أحياناً مؤذية لأفراد وجماعات بعينهم.. فاتخاذ بعض المنابر للشتم والتأليب ضد أسماء معينة هو في حقيقته يتنافى مع أبسط ما تمليه الثقافة الإسلامية من حماية أعراض الناس وعدم تكريس الظنون السيئة وضرورة الدعوة للخير.. فقد كان سيّد الخلق يتبع طريقة التلميح لا التصريح في انتقاده ورغبته في تقويم السلوكيات المخالفة.. وكلنا يعرف أسلوب (ما بال أقوام) الشهير!
** ملصقات المساجد كانت وسيلة تنفث الأفكار المؤدلجة بطريقة ظاهرة ولو نظرنا لأبسط الأمثلة لوجدنا ملصقاً كان ينشر في بعض المساجد وجهه الظاهر تحذير من خطر المشروبات الغازية وأثرها السلبي على الصحة والحديث عنها أنها تصنع من مواد هي منظِّفة في الأساس.. ويتحدث المنشور عن أن هذه المشروبات هي في أصلها مواد منظِّفة للمراحيض (هكذا!!)..
وكل هذا تحت الثقافة الصحية لكن الباطن الخافي هي فكرة أيدلوجية حانقة على الغرب الذي يصدِّر لنا الموت الزؤام ويقتلنا عبر منظِّفات المراحيض هذه.. وأن شعوبنا شعوب مستلبة ترضخ لهذا التصدير اللعين لكل منتجات الغرب التي تقتلنا دون أن ندري!
والغريب أن وزارة الصحة والتجارة والمواصفات والمقاييس لا تنال من هذا الهجوم فلو أن هذه المشروبات قاتلة فمسؤولية هذه الجهات كبيرة فكيف تسمح بتداولها بيننا.. لكن الفكرة المؤدلجة هي ضد الغرب وضد الدول المنتجة ولا يقول الملصق إن هذه المشروبات تحقق أعلى مبيعات في دول المنتج نفسه.. بل هي تؤسس لفكرة واحدة مضادة لكل ما هو غربي وحسب!
** وملصق آخر يتحدث عن أدوات التجميل ويتخذ أيضاً مسألة المواد المكونة لها.. فتصوّر الصراصير والحشرات القارضة بجانب أصابع (الروج) و(البلاشر) و(الروميل) وغيرها من أدوات الماكياج الشهيرة وتكتب عبارة: هل تتزينين بمسحوق الصراصير؟!!
** ليست المسألة مرتبطة بالخطر الصحي الداهم خلف الاستعمال الأهوج لأدوات التجميل دون النظر لماركتها واستنادها إلى مرجعية صحية أو غيرها.. وليس هناك توعية للمرأة بأنها تقتني أدوات التجميل الرخيصة المصنعة في بلدان الشرق والفاقدة لكل مقومات الجودة.. بينما هي لو اشترت منتجاً شهيراً لحمت نفسها من تبعات المضار الصحية التي ستجعلها تدفع الأكثر..
** الفكرة المؤدلجة التي يريد بثها المنشور لا ترغب في توعية المرأة، بل لتحريم تجمّل المرأة وكبح جماح رغبتها في التجمّل والحياة.. وهذه الفكرة لا يتبناها الإسلاميون فقط، بل تتجاوز هذه الفكرة إلى بعض النساء المؤدلجات بفكرة كراهية الأنوثة وكل ما يتعلّق بها واعتقادهن بأن في التجمّل احتقار لإنسانيتهن فلماذا لا يضع الرجل ماكياجاً ولمَ تتجمّل المرأة وتغيِّر لون شفتيها وعينيها.. وتلك قضية عالمية يمثِّلها الخطاب النسوي الجديد في بعض جوانبه..
** المساجد يجب أن تنأى عن ذلك.. وأن تكون في معزل عن الأدلجة من شتى التيارات.. وألا تختطف حوائطها ولا منابرها لفئة دون أخرى..
المساجد بيوت الله.. مشعل ضوء ومنارة هداية.. وليست وسيلة لتنمية اتجاهات مضادة للحياة!!
|