Monday 1st May,200612268العددالأثنين 3 ,ربيع الثاني 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الاقتصادية"

المتنبي والأسهم المتنبي والأسهم
د. عبد الرحمن بن سعود بن ناصر الهواوي

يبدو أن الأسهم وتداولها وأسواقها كانت ظاهرة معروفة في زمن المتنبي (303هـ - 354هـ)، لأنه ذكر الأسهم في شعره وبيّن منافعها ومضارها وسرعة ارتفاعها مع سرعة هبوطها، وسرعة التلاعب بها، وأنها قد تسبب للمتعامل بها الفرح أو الترح، وقد تصل به إلى الهلاك. قال:


وَما أنا غير سَهْمٍ في هَوَاءٍ
يَعُوْد ولم يَجِدْ فِيْهَ اْمِتساكا

فالمتنبي في بيته هذا شبّه نفسه بسهم يرتفع في الهواء بأقصى سرعته. ومع هذا فهو يعود بسرعة فائقة إلى الحضيض بدون أية فرصة ولو للحظة للثبات عند مستوى علوه، فمهما كانت ماهية سهم المتنبي فالذي ذكره في بيته السابق هو شبيه لما يحدث اليوم في سوق الأسهم، فاللون الأخضر يتحول إلى اللون الأحمر في طرفة عين، والله في عون من تكون عيناه مركزة نظرها على الشاشات. وقال المتنبي أيضاً:


رَامياتٍ بأسْهم رِيْشُها الهُدْ
بُ تَشُقُّ القَُلُوَب قَبْلَ الجُلُودِ

بيّن المتنبي في بيته هذا سرعة نفاذ الأسهم إلى القلوب، فالنساء قد ترمي بأسهمها - عيونها - الرجال فتشق قلوبهم قبل جلودهم، وهذا ما يمكن ملاحظته في المتداول في الأسهم اليوم، فالسهم في الشاشة وهبوطه قد يمزق قلبه تمزيقاً والعياذ بالله والمراقب لوجوه المضاربين وهم جالسون أمام الشاشات وبوجوم يلاحظ التغيرات السريعة على وجوههم، فوجهه مرة مستبشر وفي لحظة يعبس ويقطب. وقال المتنبي أيضاً:


وَرَمَى وَما رَمَتَا يَدَاهُ فَصَابَنِي
سَهْمٌ يُعَذِّبُ والسِّهامُ تُرِيْحُ

لقد فرّق المتنبي في بيته هذا بين سهم وسهم، فسهم يعذب صاحبه، وسهم يؤدي بصاحبه إلى الهلاك. وهنا وفي حالة الأسهم اليوم، فبعض من تعامل بها تعذب مما أصابه منها فهو لا حي ولا ميت، والبعض الآخر عليه الرحمة. وقال المتنبي أيضاً:


وَهَلْ يُخْطِي بأسْهُمِهِ الرَّمايا
وَمُخْطِئٌ مَنْ رَمِيُّه القَمَرُ

كأن المتنبي في بيته هذا يحذر بعض من يتعامل في سوق الأسهم، ويقول له: إياك إياك من أن تناطح من يملك القوة والجاه في سوق الأسهم لأنك كمن يريد أن يصيب القمر بسهم.. وهذا ما بينه في بيته التالي حيث قال:


دُوْنَ السِّهامِ وَدُونَ القُرِّ طافِحَةً
على نُفُوسِهِم المقَوّرَةُ المُزُعُ

وهنا نبه المتنبي صغار المتداولين بالأسهم من سرعة تحطيمهم من قبل الأقوى منهم في سوق الأسهم.
كما فعل سيف الدولة بأعدائه، حيث صارت خيوله أقرب إلى نفوس أعدائه من سهامهم، ومن أن يفروا. وشبّه المتنبي خيل سيف الدولة في السرعة بسرعة السهم وهي متجهة إلى أعدائه لأنه أقوى منهم، وهذا مثل القوي في سوق الأسهم بالنسبة للمضارب الضعيف المتهالك حيث قال:


رَمَى الدَّرْبَ بالجُرْدِ الجِيادِ إلى العداء
وما عَلِمُوا أن السِّهامَ خُيُولُ

وبيّن المتنبي أن الأسهم قد تصيب بعض الناس بمصائب شتى، وهذا ما حدث له هو شخصياً في عصره فقال:


فَصِرْتُ إذا أَصابَتْني سِهامٌ
تَكَسَّرَتْ النِّصَالُ عَلى النِّصالِ

وحال المتنبي في بيته هذا كحال المضارب بالأسهم وهو خسران رغم ما حل بجسده من علل وأوهام. وبيّن المتنبي أيضاً أنه كان في علة آذت جسده. فلا مكان في جسده لسيوف ولا لسهام فهو في حاله هذه كحال من جرحته الأسهم ففقد ماله وفقد حاله حيث قال المتنبي:


جَرَحْتِ مُجَرَّحاً لم يَبْقَ فِيْهِ
مكانٌ للسُّيُوفِ ولا السِّهام

ووضح المتنبي أيضاً أن الأسهم قد تدخل البهجة والسرور لصاحبها وشبّه هذا بنظرات صاحبه سيف الدولة فهي كالأسهم التي تدخل السرور إلى قلبه فقال:


فَدَيْناك أهْدَى الناس سَهْماً إلى قلبي
وأقْتَلُهُمْ للدَّارِعِيْنَ بِلا حَرْبِ

الرياض: 11642، ص.ب 087416

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved