المتابع نشاط مكتبة الملك عبدالعزيز العامة يلحظ تميز نشاطها الثقافي، هذا النشاط الذي تتعدد مناحيه، ولعل اللقاء الشهري الذي تعقده المكتبة يعد من أنجح لقاءاتها لاعتماده على حلقة النقاش المصغرة لحضور قليل يشتركون في التوجه والهم ذاته، والأهم هو شفافية الحوار وصدقه دون ضبابية طرح أو تعليق نقاط وهو ما يسهم في الوصول إلى رؤية واضحة وصادقة عن الموضوع المطروح.
وقد أتيح لي حضور آخر هذه اللقاءات وكان بعنوان (مراكز البحوث ومستقبل البحث العلمي) وقدم ورقته الدكتور عبدالله الرشيد نائب معالي مدير مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية.
بهذا اللقاء فتحت المكتبة ملفاً وطنياً آخر يستحق النظر فيه، والجميل في هذا اللقاء أننا كنا (جميعاً) نحمل انطباعات وأحكاما مبنية على خبرتنا وملاحظاتنا، وقد تحمل تلك الانطباعات رأياً سليماً وحكماً صحيحاً غير أنها تفتقد الدعم بالإحصاءات التي تبين بجلاء حقيقة تلك الأحكام وما تعنيه فعلاً.
قدم الدكتور الرشيد من خلال ورقته إحصاءات عن واقع البحث العلمي مركزاً على الجانب التطبيقي أو العلمي، ومع التشاؤم الذي شعرنا به من خلال تلك الإحصاءات إذ أظهرت تدني الجانب البحثي وهبوطاً بالاهتمام به في نطاق الدول العربية والمملكة العربية السعودية ضمن تلك الدول, إلا أن دعم الدولة في الآونة الأخيرة لهذا الجانب ودعوة القطاع الخاص للإسهام به فتح باباً للأمل.
من خلال النقاش كان الاتفاق شبه العام أن تراجع البحث العلمي لدينا مناط بمسؤولية الجامعات أيضاً، إذ لا بد من التركيز على حقيقة أن الجامعات إنما هي مؤسسات للتعليم والبحث العلمي، وأنها - أي الجامعات - هي البؤرة الثقافية للإبداع بكافة اتجاهاته، ولا تخلو مناهج تدريسنا وسياستنا التعليمية من هذه المسؤولية.
ومن وجهة نظري الشخصية أجد أن هناك تباعداً بين التعليم (الراهن) والبحث العلمي، إضافة إلى انحسار الاهتمام بالتعليم وعدم قيام معظم الأساتذة بأداء واجبهم التدريسي بشكل كاف، وهذا ما يقودني إلى مقال سابق لي عرضت فيه فكرة تقويم التعليم الجامعي من خلال مؤسسة أو جهة وطنية محايدة تتولى قياس كفاءة عضو هيئة التدريس، والهيئة الإدارية وسلامة اختيارها وكفاءتها في تسيير الأمور واستيعابها مهام العمل الجامعي وتهيئة الجو المناسب لعضو هيئة التدريس بدلاً من (تعقيده) و(خلق الإشكاليات أمامه).
إنني آمل كما يأمل غيري أن تعود الروح إلى جامعاتنا وأن تؤدي وظيفتها كما ينبغي أن تكون عليه بوجود الأستاذ والطالب المناسبين وتحفيزهما واستنهاض همهما في مجال البحث والإبداع.
|