صدر عن دار الثقافة في الدار البيضاء، كتاب جديد للدكتور علي القاسمي بعنوان (الحبّ والإبداع والجنون: دراسات في طبيعة الكتابة الأدبية)، ويقع في 256 من القطع المتوسط.
يستطلع المؤلِّفُ موضوع الكتاب في أعمال عدد من المبدعين العرب وهم: مي زيادة، عبد الكريم غلاب، جمال الغيطاني، أدوارد سعيد، صالح جواد الطعمة، عبد الرحمن مجيد الربيعي، محمد عزّ الدين التازي، صمؤئيل شمعون، بهاء الدين الطود، فريد الأنصاري، عبد الإله بن عرفة، عبد القادر الجموسي، فوزية العلوي، وداد بن موسى، إكرام عبدي.
يدور الكتاب حول محورين: المحور الأوّل، الحبّ بوصفه حافزاً ومحرّكاً للإبداع الأدبي، سواء أكان هذا الحبُّ حبَّ الإله أم حبّ البشر، حبّ الذات أم حبّ الآخر، حبّ الوطن أم حبّ الطبيعة، حبّ الفكر أم حبّ الكتابة نفسها.
والمحور الثاني، القاسم المشترك بين الإبداع والجنون، وكيف يؤدّي الأوّل إلى الثاني وليس بالعكس، يتناول المؤلِّف العلاقة بين الإبداع والجنون من حيث الماهية ومن حيث السبب.
فماهية (الإبداع) هي القدرة على تخيُّل هياكل أو علاقات جديدة تتجاوز الواقع وتختلف عن المألوف والمعروف.
وماهية (الذُّهان)، وهو نوع من الجنون، يتجلى في اضطرابات عقلية ينتج عنها اختلال في شخصية الفرد بحيث يُصبح عاجزاً عن التكيُّف لواقعه ومجتمعه، أو تنقطع صلته بهما.
وبعبارة أخرى، فإنّ الجنون يبدأ من حيث ينتهي العقل المرتبط بالواقع، ويبدأ الخطاب الأدبي حيث ينتهي الخطاب الواقعي، وكلا الجنون والأدب يقوم على الخيال ويعمل على كشف الوهم في قلب الواقع.
ويورد المؤلِّف نتائج آخر الأبحاث الطبية البيولوجية التي تشير إلى أن الذُّهان تسبّبه مورِّثات (جينات) تنتقل من الأبوين إلى الطفل، وأن السمات الذُّهانية هي العنصر الأساس في الإبداع.
ويلخّص دراسات أُجريت على مجموعة كبيرة من الأدباء في الغرب، ووجد أن 56% منهم يُصاب بالاكتئاب على حين يُصاب به 14% فقط من غير الأدباء، وأن 17% منهم يدمنون على الكحول والمخدرات على حين تنخفض هذه النسبة إلى 5% فقط بين غير الأدباء، وأن 21.5% قد أقدموا على الانتحار، وأن 33.3% منهم قد أُدخلوا المستشفيات للعلاج من اضطرابات نفسية وعقلية.
ولمّا كان الكتاب في مجال النقد، فإنّ المؤلِّف يبسط لنا، في مقدمة الكتاب، نظرته إلى النقد الأدبي بوصفه درساً في عناصر العملية التواصليّة المكوَّنة من: المُرسِل (الكاتب)، والرسالة (النصّ الأدبي)، والسياق (موضوع النصّ)، والشفرة (لغة النص وقواعدها)، وقناة الاتصال (الحاسوب، الراديو، الكتاب،..)، والمتلقّي (القارئ، المستمع،..).
وإذا كانت كلُّ مدرسة من المدارس النقديّة المتباينة تؤكّد على عنصر من هذه العناصر وتمحضه عنايتها، فإنّ الدكتور القاسمي يرى أن النقد الأدبي الجيّد هو الذي يأخذ بجميع تلك العناصر، وأنّ وظيفة النقد في البلاد العربيّة التي تكثر فيها الأميّة ويقلّ فيها الإقبال على القراءة، هي مساعدة القارئ على تذوّق مَواطن الإبداع والجمال والفنّ والمعرفة في النصّ، وإعانته على الإلمام بمُجمل مضمونه، وترغيبه في اقتنائه.
|