لم تكد تمر أسابيع قليلة على استنكار الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي للمقاطعة الشعبية في دول العالم الإسلامي للمنتجات الدنماركية لما في ذلك من تصادم مع مبادئ حرية التعبير عن الرأي وهو الحق الذي تدعو إليه وتضمنه قيم العالم الجديد، حتى وقعت فيما هو أشد إذ تمت مقاطعة ومحاصرة الشعب الفلسطيني حينما عبر عن رأيه واختار حركة حماس لقيادته مستخدما في ذلك الآليات التي بشرت بها الولايات المتحدة الأمريكية وتسعى لفرضها على الآخرين ولو بالقوة.
ومن الطبيعي أن لا يستغرب هذا الموقف من الساسة الأمريكيين إذ الكيل بمكيالين قد غدا من شيمهم، لكن الاستغراب ينصب على من استنكر المقاطعة الأولى ولم يستنكر الثانية بل أمعن في اختلاق المبررات والأعذار لها ولو كانت أوهى من بيت العنكبوت.
وبغض النظر عن هذا، فإنه من الواضح أنه لا يكاد أحد يسلم من العنجهية الاقتصادية الأمريكية فإما أن يكون هدفا مباشرا للمقاطعة أو سياسة التجويع لسبب أو لآخر، أو هدفا غير مباشر في حال عدم تعاونه أو إظهاره لشيء من عدم الارتياح للسياسة الأمريكية. وبالتالي فالمنطق يحتم على المجتمعات وخاصة مجتمعات الدول الإسلامية اتباع إجراءات وتدابير تقلل من قدرة أمريكا على انتهاج هذه السياسة وتحيد آثارها السلبية في حال إصرارها على استخدامها.
ولعل من أبرز الأمور المعينة على ذلك بناء التكتلات الاقتصادية المؤثرة والتي تستطيع أن تعتمد على نفسها اقتصاديا وعلى قدراتها المحلية، ويصعب في نفس الوقت على الطرف الآخر مقاطعتها أو فرض شروطه عليها. ويتزامن مع ذلك تقليل الاعتماد على اقتصادات الدول الغربية، وتوسيع دائرة الشراكة الاقتصادية مع مختلف الدول.
وتبرز الحاجة هنا إلى ضرورة قياس درجة التبعية الاقتصادية للعالم الخارجي وبخاصة لدول معينة وذلك بصفة دورية ومنتظمة وباستخدام معايير دقيقة ومنضبطة، حتى إذا ما وصلت مستوى ينذر بالخطر اتخذت التدابير التي تحد منها وتخفضها إلى المستويات المقبولة.
وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد صممت لها ترسانة من الأسلحة الاقتصادية بدءا من التمييز في منح الأفضليات والأولويات في التجارة الدولية والاستثمارات، ومرورا بتجميد أرصدة الدول محل النظر أو أرصدة مواطنيها، وانتهاء بالمقاطعة الاقتصادية الكاملة أو الحصار الاقتصادي الشامل وقطع المساعدات والمعونات حتى الإنسانية منها، فلا بأس من التفكير في تكوين ترسانة مماثلة تدافع الشعوب بها عن نفسها ومصالحها وربما كانت سببا في التخفيف من حدة الغطرسة الأمريكية.
على أن الذراع الأمريكية لا تقتصر على ممارسات وسياسات الحكومة الأمريكية بل إنها تشمل أيضا سياسات المؤسسات الدولية الاقتصادية الأخرى مثل البنك الدولي وصندوق النقد والتي تدار بواسطة أمريكا مباشرة عن طريق مواطنيها الذين يمسكون بزمام الأمور فيها. هذا فضلا عن خضوع برامج الإقراض والدعم للمراجعة الأمريكية اللصيقة حتى يتم التأكد من أنها تسبب مشاكل أكثر مما تحل. ولم يعد يكفي فيمن يتولى المناصب القيادية في هذه المؤسسات أن يكون أمريكيا بل لابد وأن يحمل نفس نمط فكر من يقبعون في البيت الأبيض.
وفي هذا الإطار لابد من الإشادة بسياسة الحكومة نحو بناء شراكات اقتصادية إستراتيجية مع دول ذات مكانة هامة في عالمنا المعاصر وتتمتع باستقلالية عالية عن الهيمنة الأمريكية. وفي هذا شكل من أشكال توزيع المخاطر وبناء نظام وقائي تجاه السياسات التي لا يمكن التنبؤ بها وتحييد لآثارها السلبية حال وقوعها وإبطال مفعولها.
لقد بات العالم منزعجا ومتقززا من الأسلوب الأمريكي في التعامل مع الآخرين فهذه لابد وأن تقاطع والدولة الأخرى توقف عنها المساعدات وثالثة تحرم من المزايا التجارية التفضيلية ورابعة تجمد أرصدتها وخامسة تمنع عنها الاستثمارات وهكذا دواليك. ويجني العالم اليوم ثمار هذه السياسات غير المتزنة، والتي منعت الاستثمارات من التوجه نحو الاستثمار في دول مثل إيران وليبيا والعراق مما أثر على الطاقة الإنتاجية للنفط لهذه الدول.
ولن يقضى على هذه السلوكيات غير السوية إلا التحرر من التبعية للغرب بكافة أشكالها وعلى الأخص الشكل الاقتصادي، وبناء الشراكات الاقتصادية مع طيف واسع من الدول الفاعلة والمؤثرة على الصعيد العالمي، وتكوين شبكة واسعة من المصالح المتداخلة مع الآخرين.
يضاف إلى ذلك جعل هذه السياسات خيارا إستراتيجيا ينفق عليه بسخاء، وإضافة الآثار الخارجية الموجبة لها إلى قائمة المكاسب المباشرة المحققة من ورائها حتى نصل إلى المستوى المناسب من الإنفاق على هذه البرامج الخادمة لهذا الغرض.
|