التواصل مع المتلقي هو ولاشك أهم قيمة لنظرية الاتصال التي أسسها ياكبسون، فلا يمكن للكاتب أو الباث للرسالة أن يشعر بتمام رسالته دون ان يجد ثمة أثراً لرسالته المبثوثة، ونحن معشر الكتاب ننتمي لفصيلة البشر ولاشك مع ان ثمة من يهدي الكثيرين منا أوصافا وألقابا وظنونا مجانية لا تفرق ولا تقيم أي معايير أو موازين، فالطالح اليوم هو صالح غدا والعكس صحيح جدا، والمرجع هنا هو توافق الرأي مع أفكار المتلقي، فكل ما أختلف معه هو طالح وكل ما أتفق هو صالح.
ظل الكاتب يدور في حلقة المتلقي، يخشاه، يهابه، يسعى إلى مهادنته ففقد القدرة على إنتاج المختلف ولا يمكن للثقافة ان تتطور وهي تعيد إنتاج نفسها. لدينا كتاب اكتسبوا مناعة جيدة ضد ردات الأفعال التي تحاول ان تثني من همتهم في تغيير الأفكار الخاطئة، وعدتهم في ذلك مرجعية وفهم عام وخاص للنصوص الإسلامية، وكذلك ثقافة مدنية تجعل من مناقشاتهم وحراكهم الثقافي يأتي مؤسسا ومتينا ومقنعا على المدى الطويل حتى لأكثر المختلفين معهم.
لكن هذا بالتأكيد لا يجعلنا نطلق ذلك على علاته فثمة اطروحات ترفض ليس لأنها مختلفة مع السائد أو مع الرأي الواحد الذي يلقي بهيمنته على مجتمعنا ولكن لأنها هي في ذاتها اطروحات ناقصة وعاجزة عن التوافق مع الأدنى لما يمكن الاتفاق حوله، أدرك أن الاختلاف سنة كونية ولو خلقنا الله بخلق واحد لمللنا الحياة، فما بالك بأفكار واحدة؟! لكن هذا لا يعني ان نختلف إلى الحد الفوضوي في التفكير.
ثمة أسس انضباطية ثابتة لابد ان نأمن لوجودها، ولا أظن أننا جميعا طالما ارتضينا الإسلام دينا نقبل ان نختلف في أصوله المتفق عليها.
لكن لا يعني ذلك ان يفرض بعضنا على بعض تفسيراته الخاصة ولشدة اقتناعه بها يلبسها ثوب القداسة ويعد من اختلف معها خارجا من الملة أو داعيا إلى الباطل، إن في ذلك ما فيه من إيقاع الضرر بالإسلام ذاته فهو دين السماحة واليسر والعقل وهو الدين الصالح لكل زمان ومكان، وما أحوجنا إلى تفهم ذلك كله، خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة التي مازال البعض يناضل من أجل ان يبقى وصيا على تفكيرها، وكأن الله سبحانه لم يخلقها حرة مسؤولة تحاسب ولها جنة ونار يوم الجمع الأكبر، إذ تسأل كل نفس منفردة إلا إذا كان أولئك الذين عبؤوا بريدي غاضبين من تأييدي لعمل المرأة في المحال الخاصة بألبستها ينكرون أن المرأة كائن مستقل ينظر لها الله سبحانه على أنها إنسان مكلف محاسب باستقلالية، وإذا كان هنا غير ذلك ولا نعرفه فأتوا النساء به، قولوا لهن إنهن لسن مكلفات، وان الرجل الذي يتولى أمرهن هو المسؤول والمحاسب، فإن قتلت يقتل هو، وان تركت الصلاة يدخل النار نيابة عنها.
المرأة مخلوق مكلف مسؤول والأب والأم مسؤولين عن تربيتها الصالحة مثلها مثل أخيها، نوفر أسباب الفضيلة لكليهما والمجتمع يتشكل من الأفراد فلو كل اصلح أبناءه صلح المجتمع، لذا فترهيب المرأة من العمل والمشاركة أمر لم يعد مقبولا لا عقلا ولا منطقا، والمناقشة في المبدأ مرفوضة لكن المقبول ولاشك هو في الكيفية، وطالما أن الأمور موكولة إلى حرية المواطن فهذا أمره يسير.
وليس ثمة إجبار فهو اختيار العمل وأسلوبه، والاختيار يكون وفق الظروف والبيئة فالتفريعات كثيرة طالما ان الأصول صحيحة.
فهل تتوقعون ان تجبر وزارة العمل امرأة على العمل؟! ان الملفات الخضراء العلاقية تكاد تخنق مكاتب الوزارات والناس في حاجة الى العمل ذكورا وإناثا، فلا تضيقوا عليهم وقد يسر الله لهم مخرجا في هذا وفي غيره من الأعمال المباحة في أصلها المأمونة في تفاصيلها المستجدة.
|