Wednesday 10th May,200612277العددالاربعاء 12 ,ربيع الثاني 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

أنت أنت
الفكرة بين الشك واليقين والقلق
م. عبد المحسن بن عبد الله الماضي

الفكرة منشأ التكوين.. كلام قرأته وأثار في نفسي أسئلة كثيرة.. وقرأت أن الفكرة تولد الشك.. والشك يتحول إلى ظن.. والظن يتطور إلى قناعة.. والقناعة ترتقي إلى يقين.. واليقين يصير سلوكاً.. وهذا الكلام أيضاً أثار أسئلة كثيرة.. فيا ليت من يجيب عنها.
كما قرأت أنه في مرحلة الشك.. يسوح العقل بين ثلاث مناطق.. منطقة التأمل.. ثم منطقة الإبداع.. ثم منطقة القلق.. وحينها إما أن يجد العقل الحل أو يقبل بالواقع فيسترخي قلقه.. أو يرفض الواقع فيصاب بالاكتئاب ومن ثم بانفصام الشخصية.. وبعدها إما أن ينطوي على نفسه أو ينتحر.. أو ينفجر فيؤذي نفسه والآخرين.
أسئلة الشك واليقين والقلق أسئلة وجدت منذ أن خلق الله البشرية.. وكل الأديان والثقافات أجابت عليها بوسائلها وبتأثير من بيئاتها.. لكن الأكيد أنها كلها لم تستطع أن تقدم الجواب الشافي في بعض الحالات.. أو أن اليقين لم يتحول إلى سلوك في حالات أخرى.. كما نوّه عن ذلك قبل أكثر من مائة عام مفتي الديار المصرية الأسبق الشيخ محمد عبده حينما ذكر أنه وجد في باريس مسلمين ولم يجد إسلاماً.. وأنه في القاهرة وجد إسلاماً ولم يجد مسلمين.
في عصر النهضة الأوروبي قال ديكارت: (أنا أشك إذاً أنا موجود).. فقامت الدنيا بعدها ولم تقعد.. أما عن القلق فقد وصف المتنبي نفسه قائلاً: (على قلق كأن الريح تحتي).. هذا القلق هو الذي يؤدي إلى الإتقان كما يؤدي إلى الجنون.
الشك حينما تزيد مسبباته ودلائه يرتفع إلى درجة الظن.. لكنه ظن غير حاسم حيث إن المسببات والدلائل هي أيضاً مبنية على الشك.. أما حينما تصبح مبنية على دليل ساطع بَيِّن.. فهنا يتحول الظن إلى قناعة.. لكنها أيضاً يمكن أن تكون قناعة مخدوعة أو مشوشة خصوصاً إذا كانت قائمة على نصف الحقيقة لا كلها.. وهذا لا يوصل إلى مرحلة اليقين.
حينما يصل الفرد إلى مرحلة اليقين فهذا يؤدي إلى السلوك.. هذا حسب منطق الأمور العقلية، لكن من قال إن الأفراد والجماعات دائماً يسيرون وفق منطق العقل؟.. ولو عدنا إلى تصريح الشيخ محمد عبده آنف الذكر لأكَّد لنا هذه الحقيقة.
الفكرة إما أن تنبع من الداخل وإما أن يتم تلقيها من مصدر خارجي.. ونبوع الفكرة من الداخل يعني ارتفاع مستوى الإدراك.. هذه القدرة الإلهية التي حباها الله الإنسان هي التي مكنته من النمو والتطور.. ونقلته من عصور الحجارة والغابة إلى عصرنا الحاضر الموسوم بالعولمة.
الإدراك النابع من الداخل يتم إما بالإلهام كما يحصل مع الأنبياء والخارقين من البشر.. أو هو يحدث في البشر من خلال التدبر والتفكر.. أما الإدراك بسبب مصدر خارجي فقد يكون من خلال شخص آخر أو وسيلة أخرى.. أو إدراك الأمر الواقع.
كانت الوسائل القديمة لإدراك الأشياء والأمور.. تتم عن طريق التدبر والتفكر الفردي والتجريب الجماعي.. ويصدف عبر العصور والحقب ظهور أنبياء وفلتات أو بشر وهبهم الله حساً عالياً فَمُنِحوا القدرة على الاستشراف والنظر إلى المستقبل.. أما اليوم فإن وسيلة إدراك الأشياء في المجتمعات المتقدمة تعتمد على نظام البحث الممنهج ..process فمن خلاله يمكن توقع الأشياء كما يمكن تخيل الحلول واستنباط النتائج.. فلم تعد الأمور مرتبطة بوجود من يستطع أن يرى نهاية النفق.. فمنهج البحث عن الإدراك في عصرنا الحديث يعتمد على الرؤية خطوة خطوة.. فكلما تقدم المجتمع خطوة أمكنه أن يرى خطوة أبعد.. فلا يمكن للشعوب أن تقف في انتظار ذلك الخارق الملهم الذي يمكنه رؤية نهاية الأشياء.. كما لا يمكنها القفز مرة واحدة بما يتجاوز قدرة المجتمع على فعله.
إذا كان عصر النهضة الأوروبي قد بدأ بعد عصر الصناعة.. فإن عصر الصناعة قد بدأ بعد اكتشاف قوة البخار.. وإذا كان عصر العولمة قد بدأ بعد عصر الاتصال الإلكتروني.. فإن عصر الاتصالات الإلكترونية قد بدأ بعد تطبيق نظام البحث الممنهج الذي ركز على الجهود وألغى العشوائية.
وحتى ننقل أفكار الوطن من حالات الشك أو اليقين أو القلق.. وحتى نبتعد عن محاولات الاستبصار واستشراف المستقبل من خلال الاعتماد على الحدس أو التخمين.. أو انتظار ذلك الخارق الملهم الذي يملك حاسة سادسة ليست لدى عموم البشر.. فلا بد من أن نعتمد منهج بناء المعرفة وندعم وسائله التي هي مراكز الدراسات والأبحاث.. فهذا هو الحل لمستقبل أفضل لنا ولأبنائنا.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved