Wednesday 10th May,200612277العددالاربعاء 12 ,ربيع الثاني 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

يارا يارا
وصلت الفكرة شكراً
عبدالله بن بخيت

أكثر من مرة ساورتني الشكوك حول ما يقدمه بعض (أو كثير) من المثقفين العرب (من المحيط للخليج) من أفكارٍ. من غير المعقول أن هذا الكم الهائل من الكلام المتطاير لا أثر له في واقع الحياة. فالكلمة كالرصاصة كما علمونا. وقد وفرت الفضائيات منابر لا حصرَ لها لإنتاج كل أنواع الرصاص الممكن. ومع هذا مازال الكلام بلا معنى أو أنه أصبح كثيراً إلى درجة تضيع فيه كل المعاني. قبل أيامٍ وصلني جهاز رسيفر بخاصية التسجيل فقررت من باب التسلية إجراء تجربة لنفي أو إثبات شكوكي. سجلت ثلاثة حوارات مع ثلاثة مثقفين عرب (سعودي، مصري، لبناني). مثقفون من العيار الثقيل. أعدت سماع المقابلات عدة مرات فاكتشفت ظاهرة غريبة جداً. كل مقابلة حجمها ساعة يمكن اختصارها إلى عشر دقائق دون أن يفقد المستمع أو المشاهد أي شيءٍ منها. كل سؤالٍ يمكن الإجابة عنه بعددٍ من الكلمات أو حتى ب(نعم أو لا) ولكن الظاهرة الغريبة أن المثقف العربي لا يسكت حتى يضطر المذيع أن يسكته. يعيد نفس الجواب ونفس المعاني ربما بكلماتٍ أخرى أو بتقديم وتأخير بعض الجمل. أعتقدُ أن ظاهرة (وصلت الفكرة شكراً) عربية صرفة. تلاحظون أن كل الحوارات السريعة التي تجريها الفضائيات في حالات الطوارئ نجد أن المذيع يضطر أن يقول (شكراً وصلت الفكرة) ثم ينقل الحديث للشخص الآخر ونفس الشيء يتكرر مع الشخص الآخر يضطر المذيع أن ينتزع منه الكلام ويعطيه لغيره. ولا يوجد هناك تمييز بين الكلام الجاد الخطير وبين الكلام العادي. فالقضية المطروحة لا أثر لها في الحوار. فالحديث مفتوح على كل الاحتمالات. فالضيف (المثقف) على استعداد أن يلبي دعوة الفضائيات قبل أن يعرف طبيعة الموضوع الذي سوف يخوض فيه. أحد المثقفين ظهر خمس مرات في شهرٍ واحد وتحدث تقريباً في أكثر من خمس قضايا متناقضة أو متباعدة. تحدث عن قضية دارفور في السودان ثم تحدث عن الحداثة في السعودية طبعاً لم ينس الأسهم. وهكذا.
الشيء اللافت في الموضوع انهيار المواقف والاتجاهات. لم يعد للمنبر قيمة. المهم الخروج على الشاشة. فالصحوي يخرج في الحرة والمتمركن لا يتردد عن الظهور على المجد والليبرالي يمكن أن تجده يتندح على شاشة حكومية محافظة. فأضحت الفضائيات فوضى (سيركس) الثقافة العربية الحديثة. في أزمنة المنابر المحدودة كان للمثقف احترامه وله مكانته. كنا نظن أن عدم ظهوره يعني تعففه عن الكلام الكثير وتأصيله لقاعدة (ما قل ودل) ولكن الأيام تكشفت عن عكس ذلك. تبين أن المثقف العربي كان ينتظر الفرصة للانقضاض على المايكروفونات. ليبرهن أن المسافة بينه وبين زعماء العروبة الذين اخترعوا المنابر في الستينيات لم تكن إلا ضعف قدرة وقلة حيلة. كان الزعيم العربي آنذاك يجلس أمام المنبر ساعة ساعتين. لا يقف حتى تتعب حنوكه. المأساة تتكرر الآن ولكن على ألسنة المثقفين. كانت المنابر تفضح الزعماء وتكشف جهلهم. جاءت الفضائيات لتفضح ضعف إمكانات المثقف العربي.
مثقف سعودي من العيار الثقيل شبه مرة المحافظة في السعودية ب المحافظة في بريطانيا وأصرّ على رأيه وفي مكان آخر أصرّ على أن الحداثة يمكن أن تتآخي مع الفكر الثيوقراطي وصحوي وقع مرة في شر أقواله عندما قال إن الشاب السعودي تتملكه شهوانية غير متوفرة عند بقية شباب الشعوب الأخرى. في كل مرةٍ أتفرجُ على حوارٍ مع مثقف عربي أكتشف أن مشكلة العرب في المثقف لا في الإنسان العادي. أرجو أن تكون الفكرة وصلت شكراً.

فاكس: 4702164

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved