|
|
انت في |
أكثر من مرة ساورتني الشكوك حول ما يقدمه بعض (أو كثير) من المثقفين العرب (من المحيط للخليج) من أفكارٍ. من غير المعقول أن هذا الكم الهائل من الكلام المتطاير لا أثر له في واقع الحياة. فالكلمة كالرصاصة كما علمونا. وقد وفرت الفضائيات منابر لا حصرَ لها لإنتاج كل أنواع الرصاص الممكن. ومع هذا مازال الكلام بلا معنى أو أنه أصبح كثيراً إلى درجة تضيع فيه كل المعاني. قبل أيامٍ وصلني جهاز رسيفر بخاصية التسجيل فقررت من باب التسلية إجراء تجربة لنفي أو إثبات شكوكي. سجلت ثلاثة حوارات مع ثلاثة مثقفين عرب (سعودي، مصري، لبناني). مثقفون من العيار الثقيل. أعدت سماع المقابلات عدة مرات فاكتشفت ظاهرة غريبة جداً. كل مقابلة حجمها ساعة يمكن اختصارها إلى عشر دقائق دون أن يفقد المستمع أو المشاهد أي شيءٍ منها. كل سؤالٍ يمكن الإجابة عنه بعددٍ من الكلمات أو حتى ب(نعم أو لا) ولكن الظاهرة الغريبة أن المثقف العربي لا يسكت حتى يضطر المذيع أن يسكته. يعيد نفس الجواب ونفس المعاني ربما بكلماتٍ أخرى أو بتقديم وتأخير بعض الجمل. أعتقدُ أن ظاهرة (وصلت الفكرة شكراً) عربية صرفة. تلاحظون أن كل الحوارات السريعة التي تجريها الفضائيات في حالات الطوارئ نجد أن المذيع يضطر أن يقول (شكراً وصلت الفكرة) ثم ينقل الحديث للشخص الآخر ونفس الشيء يتكرر مع الشخص الآخر يضطر المذيع أن ينتزع منه الكلام ويعطيه لغيره. ولا يوجد هناك تمييز بين الكلام الجاد الخطير وبين الكلام العادي. فالقضية المطروحة لا أثر لها في الحوار. فالحديث مفتوح على كل الاحتمالات. فالضيف (المثقف) على استعداد أن يلبي دعوة الفضائيات قبل أن يعرف طبيعة الموضوع الذي سوف يخوض فيه. أحد المثقفين ظهر خمس مرات في شهرٍ واحد وتحدث تقريباً في أكثر من خمس قضايا متناقضة أو متباعدة. تحدث عن قضية دارفور في السودان ثم تحدث عن الحداثة في السعودية طبعاً لم ينس الأسهم. وهكذا. |
![]()
[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة] |