تشويه ذاتي للصورة الفلسطينية

كأن الساحة الفلسطينية لا تكفيها المصاعب التي يتسبب فيها الآخرون حتى تدخل كل من حماس وفتح في اشتباكات مسلحة تضفي المزيد من السلبيات على مشهد بالغ التردي.
وقد بدا بوضوح أن الحرب الباردة بين مؤسستي الرئاسة يجري ترجمتها إلى مسلك عسكري في المستويات الأدنى، حيث المليشيات المدججة بالسلاح في كل جانب، والتي تنصت إلى الحوار في مستويات القرار العليا، وتتفاعل معه وفقا لحدة الكلمات التي تحملها التصريحات الصحفية المتناثرة التي تنطلق دون تدبر، لكن المسلحين سرعان ما يحولون تلك الكلمات إلى رصاص حقيقي (يلعلع) في أنحاء غزة، ولا يستثني الصغار والكبار وأولئك المتجهين إلى مدارسهم في الصباح الباكر.
هذه الأجواء غير الصحية، والتي باتت، للأسف، رهنا لأمزجة المسلحين، تفاقم من الحالة المتردية القائمة بالفعل، وتنذر بفوضى شاملة في الداخل تعزز من المسوغات التي يدفع بها المتربصون بكامل الصف الفلسطيني في الخارج وفي الجوار الإسرائيلي.
فهناك في عواصم الغرب وغيرها خارطة طريق اسرائيلية تنبني على هديها التوجهات والسياسات تجاه فلسطين، وهذه الخارطة معالمها الرئيسة تحاول إقناع الآخرين بوجود إرهابيين في الأراضي الفلسطينية ينبغي الاحتفاظ بهم حيث هم، وحصارهم وخنقهم إلى أن يلفظوا أنفاسهم، وأن هؤلاء الارهابيين لم يخلفوا سوى أطفال إرهابيين يتعين القذف بهم في ذات المحرقة التي تتلظى فيها أجساد الكبار.
ولن تجهد إسرائيل كثيرا في إقناع حلفائها بأن الموجودين في الضفة وغزة لايستحقون سوى تلك المعاملة القاسية، فيكفي أن يلقي أي شخص نظرة إلى غزة ليرى كيف يسقط المدنيون والأطفال ضحايا لحماقات مسلحين يفترض انهم يحافظون على الأمن، كما يفترض فيهم أن يراعوا الحالة المتردية لأهليهم تحت الحصار الإسرائيلي والغربي.
وتتنافى هذه الحالة السلبية التي وصلت إليها الأوضاع في غزة مع كل أدبيات المقاومة وكل توجهات الفصائل التي تقول (إن الدم الفلسطيني خط أحمر)، فالدم الفلسطيني يهرق برصاصات فلسطينية، وعلى نطاق واسع وبإصرار جعل معارك غزة تتواصل.. إن الفتية الذين يستعرضون أسلحتهم في شوارع غزة ويلوحون بها في وجوه بعضهم البعض يعكسون بطريقة بشعة الصراع المتفاقم بين شقي الرئاسة، ومن الواضح هنا أن قدرا كبيرا من ضبط النفس مطلوب من السلطة والحكومة لوقف التسريبات عن خلافاتهما، بحيث لا تنعكس وبالا على الشارع، وكي لا تضفي المزيد من التشويه على الصورة الفلسطينية على النطاق العالمي، حيث تستفيد إسرائيل إلى أقصى مدى من هذا التشويه الذي يحدثه الفلسطينيون بأيديهم.