للدكتورة ثريا التركي والدكتور أبوبكر باقادر بمشاركة آمال طنطاوي
تقديم د. فوزية بنت عبد الله أبو خالد
كمين المكان
بعثت لي الدكتورة ثريا التركي مخطوطة الكتاب وسط صهيب الصيف العام الماضي، وكنت على شفا سفر في رحلة عمل استشاري بعد نهارات مضنية وليال ساهرة قضيتها عقب نهاية العام الأكاديمي في عمل بحثي عن صورة المرأة في الأعمال الروائية التي كتبتها المرأة العربية، ولا أخفي أنني ترددت في أن آخذ على عاتقي مهمة هذه المخاطرة لسببين:
السبب الأول: أن هذا العمل هو من عرق جبين وضوء عيون الأستاذة السعودية الوحيدة التي كنت وعدد من بنات جيلي محظوظات بالتتلمذ على يدها حين استضافتها جامعة الملك سعود كأستاذ زائر بقسم الدراسات الاجتماعية لطالبات برنامج الماجستير، وأجد الشجاعة في نفسي لأقول: إن ذلك ورغم تجربتي الطويلة في مجال تهلكة الكتابة النقدية مقالات تحليلية وبحوث قد جعلتني أتهيب القيام بقراءة نقدية لعمل شاركت تلك المرأة في خوض غماره البحثي مع أستاذ قدير. هو الدكتور أبوبكر باقادر بكل ما يربط جيلي به من استشرافات بحثية لتسجيل المهمش والمسكوت عنه من التاريخ الاجتماعي لهذا الوطن.
السبب الثاني لترددي: هو أن هذا العمل عن مدينة جدة بالذات سيكون بمثابة دعوة مفخخة لأعود إلى مرابع المرحلة الأخيرة من طفولتي والمرحلة الأولى من تباشير مراهقتي وشبابي بكل ما يحمله البحر من حدة الملح في تفتيح الجراح واستجراح أفراح الذاكرة وقروحها فيما يتعلق بتلك المرحلة التاريخية التي عشتها بجدة حين كانت حارة الهنداوية والبغدادية والشرفية والكندرة وشارع الأشراف وشارع قابل وباب مكة والنزلة والبنقلة هي كل ملكوت هذه المدينة التي كانت تمد ساقيها على الساحل الغربي بحرية وأريحية تحسدها عليها الملكات اللواتي سجلن أسماءهن في سهو من التاريخ في كتبه ومضين دون أن ينلن مجدا يشبه مجد جدة في الشدة والرخاء.
أما سبب قبولي بالمخاطرة فإنه يرجع إلى عامل رئيسي لا يحتاج إلى آخر معه، وهو أنني عندما فتحت مخطوطة هذا الكتاب، وقد كنت كما قلت انتهيت للتو من بحث صورة المرأة في الرواية، وجدت أن تلك الصور المتخيلة التي كتبها الروائيات العربيات عن المرأة العربية تفز حارة جامحة نازفة ومتحدية لنساء من لحم ودم يخرجن من رحم جدة متضوعات بندى رطوبتها ورائحة النيم والغاغية ترشح من سواد عباءاتهن ومن سمرة أجسادهن وتدخل بنا إلى المشهد العربي بآلامه وآماله الذي طالما كنا غائبين عنه. فالمرأة في هذا البحث تحضر كباحثة وكمبحوثة وكمواطنة لتشارك بكفاحها اليومي المعيشي في تشكيل الواقع الاجتماعي والحلم المستقبلي من خلال الانتماء إلى هذه الأرض ببعدها الحضاري العربي والإسلامي ومن خلال الشراكة المنتجة بين النساء والرجال في المجال الأسري والعام معا.
لقد استل هذا البحث من ملامح زكية ولينا ومصباح وعم طه المأذون الشرعي وسواهم عينة حية لنساء مدينة جدة ورجالها وللقضايا الاجتماعية الكبيرة وللتفاصيل اليومية الصغيرة التي تشكل مادة هذا الكتاب.
مضمون الكتاب
هذا الكتاب في رأيي محاولة غير مسبوقة لتقديم دراسة سيسيولوجية انثروبولوجية عن مدينة جدة بشكل معمق يقوم بحفريات بحثية ليس في التضاريس الجغرافية لمدينة جدة بل في تضاريس المكان كحالة اجتماعية ووطنية وإنسانية بما يعيد نحت المدينة وكشف الالتباس والتداخل بينها وبين ملامح الإنسان الذي قام بعمارة هذا الفضاء في النص الثاني من القرن العشرين. وبهذا فإن تيمة الزمان تصبح شريكا لتيمة المكان في تشكيل قسمات جدة المدينة كتجمع بشري ويكتسب نسبية استقلال تحولاته بمعناه التاريخي والسياسي من علاقته بالكيان الوطني الذي يقع على أرض الجزيرة العربية كما تمثلها دولة المملكة العربية السعودية بوحدتها السياسية وبحدودها اللوجاستية وبنسيجها البشري وبتعدد هوايتها وتوحده في الرخاء والشدة.
وهذه الدراسة بحسب اطلاعي فريدة من نوعها إلا فيما تلتقي فيه مع محاولة أخرى رائدة في التاريخ لمدينة جدة وهي ما تمثل في العمل المتميز للأستاذ المرحوم عبد القدوس الأنصاري (موسوعة تاريخ مدينة جدة).
تتناول الدراسة مرحلة تاريخية تمتد على مدى نصف قرن وهي مرحلة تتسم بتحولات مفصلية تترتب عليها تغيرات اجتماعية عميقة وتتلخص هذه التحولات المفصلية التي تتناولها الدراسة في:
1- التحول النفطي وأبعاده الاجتماعية وينقسم إلى قسمين:
أ- المردود الأولي لاكتشاف النفط المتزامن تقريبا مع إعلان تأسيس الكيان السياسي للدولة السعودية الثالثة متمثلا بالمملكة العربية السعودية.
ب- الطفرة البترولية وبلورة الدور السياسي والاجتماعي للدولة في علاقة اعتماده على النشاط الريعي للبترول بطبيعة التشكلات الاجتماعية الجديدة وإعادة صياغة العلاقات الاجتماعية والهوية ومسار تلك التحولات.
2- حرب الخليج الثانية وحفرياتها الاجتماعية والسياسية
3- آثار ما بعد 11-9 فيما يتعلق بمدي علاقة المملكة العربية السعودية بذلك الحدث في علاقته بالواقع الداخلي من ناحية وفي علاقته بعلاقتها الخارجية مع الولايات المتحدة تحديدا من الناحية الأخرى.
يتناول هذا الكتاب بالتحليل السؤال: كيف أعادت مرحلة الطفرة على وجه التحديد كتابة تاريخ مدينة جدة الاجتماعي على مستويين الحراك الاجتماعي في بعديه الحراك الأفقي (الهجرة إلى جدة من أطراف المملكة وخارجها)، والحراك الرأسي (النقلة الطبقية بين عدد من الفئات الاجتماعية وذبذباتها)؟
أما على المستوى السياسي فيتمثل في إعادة ترتيب التشكيلات الاجتماعية وق الخطاب السياسي والديني المعبر عن الهوية السياسية والاجتماعية معا للدولة).
وكما ينجح هذا البحث في تحليل موقع الأسرة كأحد المحددات التي يقرأ عبرها التطورات أو التراجعات في مسيرة تاريخ التغير الاجتماعي بالمجتمع السعودي فإنه ينجح في تظهير أو تحميض صورة المرأة الغائبة الحاضرة في خضم هذه التحولات ليس كمجرد خلفية أو ديكور في الصورة ولكن لتخرج على مد البصر ممثلة لما أنجز ولما نعيش هاجس إنجازه كمطالب وطنية (يمكن استعاض بعض المطالب من خلال الرجوع للمادة الإثنوجرافية للبحث/ وضع المرأة في القضاء، في العمل، في العلاقة الزوجية، فموضوع الجنسية لدرجة أنه يمكن أن يستقي هذا البحث مدونة للأحوال الشخصية للمرأة والأسرة).
يطرح هذا البحث التشابك الفلسفي والفكري الغير محسوم بعد على ساحتنا المحلية أكاديميا وثقافيا وواقعيا مثل: التعددية بأبعادها الإثنية/ القبلية/ السياسية والفكرية (تعدد الأطياف) النظرة إلى الذات والآخر في صياغة مفهوم الهوية وفي احتمالات تحولات الخطاب السياسي كما تومئ إليها أطروحة الإصلاح. مما أترككم لاكتشاف دهشة معالجاتها التحليلية مع مفاجآت قراءة هذا السفر وتحديات حرية الإنفاق والاختلاف والحوار مع ما عبر عنه وبه عن جدل الرخاء والشدة في تكوين هذه المدينة التاريخية المعاصرة.
|