لم يعد العراقيون يستغربون مرور المواكب المسلحة التي ترافق قادة الأحزاب والكتل الطائفية في العراق، بل لم يستطيعوا الاعتراض على مرور ثلاث سيارات أو أكثر وهي تحمل مسلحين شاهرين أسلحتهم ويطلقون في أحيان كثيرة طلقات في الهواء لفسح المجال لمرور أصغر السياسيين العراقيين وزراء أو مرشحين للوزارة ونواب وزعماء في الكتل والأحزاب. تخترق السيارات والأسلحة مشرعة في نوافذها، وعلى السيارات الأخرى التوقف لإفساح المجال لمرور موكب ذلك الزعيم الجهبذ.
أصبح المنظر مألوفاً، حتى وإن كان شاذاً وغير مقبول فلا يستطيع أي أحد الاعتراض فعلاً أو قولاً، وإلا كان نصيبه طلقة أو زخة رصاص تحوله إلى رقم يضاف إلى أرقام الضحايا والقتلى الذين يسقطون كل يوم على أرض العراق.
إذن أصبحت المواكب المسلحة جزءاً من المشهد العراقي، إلا أن هذا المشهد ومهما بلغت درجة عبثيته ولامعقوليته لا يمكن لأحد أن يتصور أن يصل الأمر إلى أن يزاحم المسلحون السياسيون وأصحاب الشأن الذين يقررون حاضر ومستقبل العراق من أعضاء مجلس النواب والوزراء، ففي قاعات مجلس النواب وكذلك في مكاتب الوزراء تجد المسلحين الذين يسمونهم في العراق (رجال الحماية) يتصدرون المجالس ويقفون سداً مانعاً أمام أبواب مكاتب الوزراء ووكلائهم والمديرين العامين الذين أصبحوا في العهد الجديد من الساسة المقربين من الوزير أو الطائفة التي يمثلها في نظام الحصص.
يظل المسلح ملتصقاً بالسياسي في مكتبه وفي سيارته وفي منزله، وحتى داخل أروقة الاجتماعات.. بعضهم يظل خلف رجل السياسي يده على زناد مسدسه، حتى داخل اجتماعات مجلس النواب واللجان الوزارية وفي الردهات والجلسات التي يستريح بها النواب ويتبادلون الآراء ترى المسلحين يزاحمون من يحمونهم...!!
وإذا كان هناك نوع من التفاهم بين السياسيين وألاَّ تخرج خلافاتهم عن المألوف فيظل الخلاف محصوراً في تبادل الحجج وطرح الآراء، ولا مانع من ارتفاع محسوب للأصوات، إلا أن كل المتداخلين في المناقشات السياسية يعرفون أن هناك حداً يقفون عنده عندما تحتدم المناقشات، فتعود الابتسامات محل الغضب الذي ارتسم على الوجوه.
كثيراً ما حصلت مثل هذه المواقف ولم يمتد تأثيرها إلى المسلحين الذين يقفون خلف (سادتهم) ممن يحرسونهم، إلى أن اندلعت الشرارة الأولى التي تؤكد أنه لا مجال للسيطرة على حملة السلاح الذين لا يفهمون إلا واجب حماية من يحرسونه حتى وإن كان التهديد مجرد كلام...!! فقبل أيام تضايق حرس رئيس مجلس النواب العراقي من (موبايل) حرس نائبة عراقية، فقد انزعج حرس الرئيس من جرس موبايل حرس النائبة الذي كان يزعج رئيس مجلس النواب الذي كان في ذلك الوقت يدلي بحديث لإحدى المحطات الفضائية. حاول حرس رئيس مجلس النواب إسكات موبايل حرس النائبة، إلا أن صاحب الموبايل في حرس النائبة لم يتجاوب مع طلب حماية رئيس المجلس، فما إن أغلق الموبايل حتى عاد ليفتحه ليضايق صوت الجرس رئيس مجلس النواب، وهنا أصبح حسب رأي حرس الرئيس التدخل واجباً، فقاموا ب(الواجب) تجاه حرس النائبة.. ويبدو أن (الواجب) كان من النوع الثقيل؛ حيث حصلت إصابات لحرس النائبة التي انتهزت بدء جلسة مجلس النواب لتوجِّه هجوماً كلامياً حاداً للرئيس الذي يترك حرَّاسه يضربون حراسها..!! حاول رئيس مجلس النواب إسكات النائبة، إلا أن حكمته لم تسعفه في إسكات النائبة وهجومها الشرس، فرفع الجلسة خوفاً من أن تستعين بما تبقَّى من حراسها لرد (الواجب) للرئيس وحمايته...!!
هكذا أصبح واقع العراق: الحراس يحمون السياسيين.. والسياسيون يستجيبون لواجب حرَّاسهم.. والشعب يبحث عمن يحرسه ويؤدي الواجب له..!!
|