قلنا في مقالة سابقة إنّنا ضد مبدأ الانتخاب في العالم الثالث، إلى أن يصل المواطن فيه إلى (ثقافة الفرز) الوطني الصميم، بعيداً عن ال(غائية) الضيقة والأهداف (الدنيا) التي تحول دون المصلحة الوطنية العليا، وأيّدنا في حينها (شورى النخبة) التي تُغلِّب مصلحة الوطن فوق كلِّ شيء. وقد أثبتت الأحداث المحيطة بنا ما ذهبنا إليه في ذلك الطرح الذي أغضب بالفعل بعض (الطوباويين) والمزايدين و(الممالقين للغوغاء) على حساب الحقيقة الواقعة، بل والذين ينساقون للطرح الأمريكي (الادعائي) الذي ينشد جزافاً تحقيق الديمقراطية والحرية في العالم .. فهذا الطرح المتشدِّد (شكلاً) والفارغ مضموناً، قد أفرز في العالم الثالث نماذج متشدِّدة أصبحت شوكة في الحنجرة الأمريكية بدءاً من التجربة الإيرانية وانتهاءً بالتجربة الفلسطينية .. ففي التجربة الانتخابية الإيرانية، مثلاً، قد خرجت المعطيات على عكس ما كانت تحلم به أمريكا، إذ أفرزت الانتخابات الإيرانية (متشدِّداً) أصبح هو شغل أمريكا الشاغل بل والمنطقة أيضاً، وكذلك الأمر بالنسبة للإخوة الفلسطينيين الذين دفعوا أرواح أعظم مناضليهم في سبيل قضيتهم العادلة والذين كانوا في نظر المواطن العربي من المحيط إلى الخليج نماذج وطنية وقومية تمثِّل الرمز الثوري النقي في أبهى تجلِّياته والذين قضوا واحداً واحداً على طريق الحلم بتحرير فلسطين، لتخلو الساحة الآن لنماذج مغايرة لا نقلل من شأنها، ولكنها بفعل الضغط الأمريكي المزعوم بتحقيق الديمقراطية، قد طغت على السطح بفضل (الفرز العاطفي الشعبي) لتسيد المشهد الفلسطيني الذي هو بأمس الحاجة الآن إلى سياسيين أكثر من ثوريين بمقدورهم التعاطي مع متغيرات العالم، ولكن الواقع المؤلم الآن هو غير ذلك بالطّبع، ولعلّ أصدق مشهد محزن هو ما تناقلته الوكالات في اليومين الأخيرين، إذ تقول أنباء تلك الوكالات: إنّ (فتح وحماس تتقاتلان الآن في غزة، وإسرائيل تضرب الاثنين!!) .. وإزاء هذا المشهد المخجل الذي لا يضرب الضمير العربي فحسب، بل يضرب تاريخ هذا الضمير لا سيما وأنّ الثورتين فتح وحماس، كانتا تمثلان وجدان ذلك التاريخ .. فيا للمهزلة!!
|