ابتعت من مطار دبي قصة أطفال جميلة، كتبتها أديبة كندية تعيش في دبي منذ عام (1999م)، وقام بعمل الرسوم الجذابة فنانة كندية أيضاً تعيش هي وعائلتها في دبي منذ عام 2001م. القصة أخاذة، وتدور حول بطة مهاجرة من كندا ضمن أسراب الطيور المهاجرة شتاء من الشمال إلى الجنوب تتوقف في دبي، وتتعرف على فراشة من دبي، وينشأ بينهما صداقة، ومن خلال هذه الصداقة تقوم الفراشة الإماراتية بأخذ البطة الكندية بجولة على جميع المعالم البارزة في المدينة. طبعاً تسويق جميل أن يوضع كتاب من هذا النوع في المطار، لكن الأهم من هذا هو عند تقليبي الكتاب أدهشتني كمية الحب الوافرة التي تنسج بين الفنانتين الكنديتين والمكان، والجسور والصلات التي نتجت عن سنوات أمضينها في دبي نتج عنها هذا الكتاب المذهل الموجه لكل أطفال العالم، ولا سيما أننا نعيد اكتشاف تفاصيل صغيرة وغائبة في المدينة نستعيدها عبر صفحات الكتاب. وحاصرني سؤال تخالطه حسرة وأنا أقلب صفحات الكتاب، فنحن منذ الخمسينيات نمثل أرضاً جاذبة لجميع شعوب العالم، هذا المكان تحول إلى بوتقة تمور بسكان الأرض الذين سفحوا سنوات طوال من عمرهم لنتشارك وإياهم بناء تلك المدن الفاخرة التي تتحدى مصير الرمل والجفاف.
لكن عبر هذه السنين الطوال ماذا ظل من هوية المكان في ذاكرة العابرين والمؤقتين؟
هل استطاعت تجربتهم هنا أن تُكثَّف في عمل فني أدبي وخالد يبقى شهادة عالمية بحق هذه الأرض وشعبها؟
على المستوى العربي لا أعرف سوى روايتي: (نجران تحت الصفر) ليحيى خلف، و(مسك الغزال) لحنان الشيخ، اللتين تحتشد صفحاتهما بكمٍّ وافر من المشاعر السلبية والنفور الناتجة عن عدم القدرة على مد صلات ودية مع المكان وأهله.
على المستوى العالمي ما أعرفه هو كتاب (ما وراء الحجاب) الذي يقدم يوميات طبيب أمريكي في المملكة بقيت تعامل المكان كأنه أحد المناطق النائية العجيبة العاجزة عن مد الصلات مع المستكشف الغربي.
اللوحات التشكيلية على الغالب نجدها متورطة بالخلفية المعتادة لأعمال المستشرقين؛ حيث تلال الرمال والواحات الشاحبة ومناخ القوافل، وألوان ضاجة صاخبة بوهج ضوء شمس قاسية.
والبقية هي المشاهد التي تفجعنا بين الفينة والأخرى عبر هوليود التي تقدمنا بشكل شعوب بدائية تعيش بجانب آبار النفط وتسكن الخيام وتقود الكاديلاك.
إنه من المحبط حقاً ألا تنشأ علاقة ودية حميمة مع مقيمينا وزوارنا؟ هل هو المناخ القاسي الطارد، أم طبيعتنا الصحراوية الجافة المجبولة على الرفض والاسترابة من الغرباء؛ ذلك الرفض الذي يقذفهم في أماكن قصية بعيدة عاجزة عن استكناه مواطن الجمال لدينا؟
هل نحن لم نهتم حقاً بالسفراء الذين يساكنوننا في كل مكان منذ الخمسينيات وسيحملون حتماً تصوراً ما عن هذا المكان وأهله في حقائب المغادرة؟
في السنوات الأخيرة بتنا نلمس بعض التحركات الطفيفة في هذا المجال عبر تفعيل دور السفارات الأجنبية وإبراز الجانب الحضاري للشعوب كأرضية إنسانية مشتركة من شأنها أن تخلق علاقات تخالف تلك التي تُبنى على النفور والاسترابة.
كم أبهجتنا زيارة القطع الإسلامية الموجودة في متحف اللوفر للمتحف الوطني، تماماً كالمعرض المشترك ما بين المملكة وبريطانيا الذي رعاه وزراء خارجية البلدين. جميع هذه التحركات الدبلوماسية الساعية إلى إبراز الفنون والآداب كلغة سامية وعالمية تنطلق منها شعوب الأرض أتمنى أن تُدعم على أعلى المستويات؛ لأنه بالفعل هي اللغة المشتركة التي من الممكن أن تحل بدلاً من لغة الكراهية والعنف والحروب.
|