دأب الناس على أن يجدوا طرائق شتى للتعايش فيما بينهم عبر العصور والأزمان، وهم في تعايشهم هذا سلكوا سبل الرشاد تارة وسبل الغي تارة أخرى.
لعل التنافس على ما يتوافر على ظهر البسيطة من غذاء كان أساساً للتنازع والخصام، ومن ثم الظلم في بعض الأحيان، وما لبث الإنسان أن غير كثيراً من مفاهيمه مدفوعاً بغريزته الطبيعية في حب التملك، فأخذ يبز أقرانه بجمع الأغنام والإبل، ثم تطورت ذاته ليتوسع في الحمى كما فعل كليب بن وائل حتى إنه كان يحمي الفلا من الطير؛ ما سبب حرباً ضروساً دامت سنين عديدة حصدت الأخضر واليابيس من بكر وتغلب.
والإنسان في شتى أرجاء المعمورة أخذ يستوطن ويتعلم الزراعة، وما هي إلا سنوات حتى تغير المفهوم لديه، فلم يعد الغرض من الزراعة مقصوراً على توفير لقمة العيش، بل كان التفاخر باتساع الرقعة الزراعية مدعاة للظلم والتجني منذ زمن بعيد.
وجاءت رسالة السماء من خلال الرسل والأنبياء لتطهر الأفئدة والنفوس وتسمو بالنفس البشرية عن مهالك الظلم والحقد والتفاخر، وتنأى ببني البشر عن مراتع الخنا والجور. وفي العصر الجاهلي كان الظلم سائداً في بعض المجتمعات العربية، إلا أن كثيراً من القيم والأخلاق والأعراف التي جبل عليها إنسان ذلك المجتمع تُحدّ من التمادي في الظلم.
وفي مجتمعات أخرى كان الظلم أشد ألماً وأكثر قسوة لكون تلك المجتمعات تفتقر إلى الكثير من الأخلاق النبيلة والأعراف الكريمة، ولعلنا نذكر قصة العاصي بن وائل وظلمه لأحد الأعراب الذي باعه غنماً فماطله العاصي، ثم أنكر حقه ولم يوفه، فما كان من المظلوم إلا أن أذن بأعلى صوته منادياً على قريش ومحركاً تلك القيم الكامنة في الصدور لتنصفه من ظالمه القرشي فاجتمع ثلاثة نفر كلهم يسمى الفضل، ليتحالفوا برد الظلم عن المظلوم ولو بالسيف وكان رسول الهدى صلى الله عليه وسلم قبل بعثته حاضراً ذلك الحلف، فذهبوا إلى العاصي مهددين فما كان منه إلا أن أوفى بحق المظلوم مجبراً، وأقر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحلف بعد الإسلام، واستمر حتى في فترة الخلفاء الراشدين وما بعدها.
الظالم ينطلق في ظلمه من غرائز ذاتية، قد يكون أولاها: حب الذات ومن مباعثها أن يسعى المرء إلى أن يكون هو الأغنى، والأعلم، والأفضل، والأجدر، والأقوى، وكل ما هو على وزن (أفعل). ويتفق جُل بني البشر في هذا المأرب، غير انهم يختلفون في طريقة مسعاهم، ووسيلة مبتغاهم، فمنهم من يضع رضوان الله أمام ناظريه فيخشاه في السر والعلن، فيردعه إيمانه عن ظلم غيره، ومنهم من تعمى بصيرته عن الحق فيظلم غيره لينفع ذاته، غير آبه بما يجلبه على غيره من ظلم وعدوان. وثانيها: أن يكون غير قادر على الظلم إلا أنه يحاول أن يظلم بقدر ما يستطيع؛ لذا فهو يرى في الظلم متعة، وإحساساً بالنشوة والطرب عند تحقيقه لشأوه، فهو يستمتع بأن يرى المظلوم، مكسور جناح، ضيق الخاطر، ضعيف الإرادة، لا يستطيع رد الظلم عن نفسه، إن مكنه ذلك.
قال الشاعر:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعله لا يظلم |
وقال آخر في شطر من بيت (إنما العاجز من لا يستبد)؛ ولذا فهو يستمرئ الظلم ويجتهد فيه ليزداد لذاذة واستمتاعاً، غير أن الظروف قد تحد من قدرته على الظلم أو أنها تخفف من قسوة ظلمه.
وثالثها: الظلم بغرض الانتقام، وهذا الصنف من البشر قد لا يكون ظالماً ابتداء، غير أنه يكون ظالماً عندما يكون عقابه لشخص أو مجموعة أشد قسوة وألماً من ذلك الخطأ الذي ارتكب.
فتراه يبطش بيده إن كان قادراً على البطش باليد حتى وإن كان ما قام به المظلوم دون ذلك؛ لأنه لا يفهم أو لا يرغب أن يفهم أن الجزاء من جنس العمل، وتجد ذلك حتى من الأب لابنه أو الزوج لزوجته.ومنهم من يكون قادراً على الانتقام بقلمه، كأن يصب كاتب معين جام غضبه على كاتب آخر، أو جهة حكومية أو شركة بذاتها مدفوعاً بلذاذة الانتقام لكون ذلك الكاتب لم يوافقه في الرأي، أو أن تلك الجهة لم تحقق له مطلبه.
ومنهم من ينتقم بلسانه، فتراه عياناً بياناً يشنف الآذان في كل مجلس ومحفل بسيل من التهم التي جلها غير صحيح أو أن بعضها صحيح غير أنه يضع عليها من الديباجة والاسترسال والزيادة أو النقص ما يوحي للمستمع بأن ذلك المعني بالحديث كان يستحق ما قيل فيه، وأنه من أولئك النفر الذين اساؤوا ولم يحسنوا، وظلموا ولم يقسطوا، فهو يبرز المثالب ويخفي المحاسن، حتى يظهر للمستمع وكأن من عناه قد جُرِّد من كل خلَّة حميدة وامتطى كل مثلبة ومعيبة.
ورابعها: ظلم القلوب والأفئدة.. وسادات هذا المضمار أولئك الغواني الحسان اللاتي أدمين كل فؤاد وجندلن ذوي الألباب، ولم يسلم من ظلمهن شاب بالكاد تجاوز الحلم، أو شيخ هرم اسبغت عليه السنون حللها.
والحديث عن ظلمهن وجورهن امتلأت به كتب الأقدمين والمحدثين، وتحدثت عنه كتب الأدب والشعر وعلم النفس وسواها. وهذا النوع من الظلم هو الوحيد الذي يجد فيه المظلوم شيئاً من المتعة واللذة.
|