Friday 12th May,200612279العددالجمعة 14 ,ربيع الثاني 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

ثقافات ضحلة .. ورؤى غير مفهومة! ثقافات ضحلة .. ورؤى غير مفهومة!
حسين أبو السباع

من الكتَّاب من يقرأ ويكتب في الآن ذاته، ومنهم من يقرأ وفعل القراءة عنده غير مرتبط ارتباط العلّة بالمعلول مع فعل الكتابة، فالقراءة عمل رئيس يقوم به كلَّ يوم ومخصص له وقت معلوم، بينما هناك كثيرون جداً من يكتب مِن دون أن يقرأ شيئاً، وتجد أقلامهم تملأ الصحف من حولنا والمواقع الإلكترونية الصحافية، ويصوِّبونَ سهام كتاباتهم تجاه مآرب خاصة متناسين ما في فعل الكتابة، ومن قبلها القراءة من قداسة لأنّ أول كلام الله في القرآن كان (اقرأ)، فالبداية كانت اقرأ أولاً، ثم بعد ذلك يأتي ما يأتي من تدبُّر، وتفكُّر، وأمور كثيرة جداً تسبق الإقدام على فعل الكتابة .. والغريب أنّ هؤلاء تجد سنون أقلامهم (المسنونة) تحمل كلمات صعبة الفهم، لا لعمق فيها، وإنّما لضحالة الثقافة والفكر الذي يحمله كاتبها، ويتدثَّرون بدثار (الحداثة)، و(الأكاديمية)، ومصطلحات يتشدَّقون بها لزوم ما يلزم لكونه كاتباً لا بدَّ أن تكون لغته غامضة ورؤيته غير مفهومة.
وقد تجدهم في الحقيقة لا يستطيعون التفريق بين كتابة المقال وكتابة التحقيق الصحفي، ولا يعرفون عناصر كتابة الخبر الصحفي، ويحتار بعضهم لمَّا يفكر في الكتابة في الأدب مثلاً، ماذا يسمي ما كتبه، فلمَّا لا يجد له اسماً يجرؤ أن يعلنه كقصيدة أو قصة قصيرة يضع بين قوسين (خواطر) ... كي لا يستطيع أحد من المتخصصين في المجال الذي كتب فيه أن يمسك عليه قاعدة نساها لأنّه كتب تحت ما لا قاعدة له، فخواطري ذاتية جداً، ولا بدَّ وأن تكون مختلفة تماماً عن خواطر أي إنسان آخر، حتى ولو كان توأمي، والمؤسسات الصحفية التي ينتمون إليها تغدق عليهم العطاء المالي الذي لا يستحقون تاركين مَن يستحق من دون التفات إلى حاجته من عدمها، أيضاً تحت ضغط الوساطات والصداقات والمعارف.
الثقافات الضحلة سوَّدت صفحات الجرائد، وصرنا لا نفهم شيئاً مما يُكتب، ومثلما ذكرت من قبل أنّ أفضل تسمية لما يُكتب بهذا الشكل هو كما يسميه السودانيون (كلام ساكت) لا طائل ولا فائدة من ورائه، وأصدقاء نفس الحقل الإعلامي يقدِّمون البرامج التليفزيونية الفضائية فيتصلون بهذا وذاك، ويتم اللقاء مع هذا الأبله الذي كتب ما لا يفهم محتوى كتابته، ولا يحمل همّاً ولا قضية، يضعون الميكروفون أمامه باعتباره كاتباً كبيراً، ليقول ويزيدنا صداعاً فوق صداع، وألماً على الحشرجة الثقافية التي نمرُّ بها الآن، ليجعل الفرصة مواتية تماماً لمن يقول إنّ العرب ظاهرة صوتية من دون مضمون، لتقام اللقاءات الشجارية التي من الممكن أن تكون فعلاً حوارية، لو تم اختيار الضيوف بموضوعية بعيداً عن المعارف والأصدقاء، فالمساحات البيضاء على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية الإخبارية من الأفضل أن تبقى بيضاء خيرٌ لنا من كتابة ما لا يفيد، وما لا يمكن قراءته، أو سماعه.
الرؤى معتّمة، وغير مفهومة، أولئك الكتبة الذين يتقيأون ما تلقَّفوه من هنا وهناك على صفحات الجرائد ولن أقول العربية فقط مثل كثيرين يبغبغون هذه الكلمة حينما يريدون التعميم للأشياء، حتى لا يقعوا في حرج مع مَن يقصدون تحديداً، ولأنّ هذا الداء موصومة به الصحافة بوجه عام في كلِّ عصر، وفي كلِّ لغة.
ورغم التقنيات الكبيرة والكثيرة المساعدة على الاستزادة المعرفية بطرق أيسر من ذي قبل، إلاّ أنّ الطريق السهلة دائماً هي الأقرب للوصول السريع، ك(الصرصار) المسرع من قاع البالوعة إلى سقف الحائط، يسلك الطريق السهلة، إلى أن يصل، والغريب أنّه يصل، لكن ما ليس غريباً أنّه سرعان ما يقع مقلوباً على ظهره.

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved