لن أقول: سكتت هي، ودمعت هي، وأجفلت هي، سأقول: سكت أنا، ودمعت أنا، وأجفلت أنا. لكنني لا أدري أين هذه ال(أنا)، أضعتها، فلا كنت (أنا) ولا كنت (هي). فترة من حياتي.. تمرّ أسوأ أيامي على الإطلاق، أكنت مدللة، أم كنت طائرة، أم كنت لا أحيا أصلاً؟
توهمت أن الجميع بجانبي، لكن حين سقطت، وجدت أن كل من كان بقربي كانت خيالاتهم، وتوهمت الخيال صدقا، فأمسكت بيد إحداهن، فسقطت، س.. ق.. ط.. ت.. اهتز قلبي وجاهدت أغطي جروحه، فلما سحبت الغطاء على الجرح الجديد، تكشفت بقية الجروح، وتقرحت، ورميت بالغطاء بعيداً؛ فهو لا يغطي جروحاً قديمة أو جديدة، لكنني أشفقت على ذلك القلب الذي لو كنت حفظته وجعلته في جسدي وجعلت هذا الجسد حانوتاً لبيع الحياة لكنت مثلهم، والثمن؟ إحساس مفقود وعيون زائفة تلتحف بالتناسي. ترى لو كنت حفظته لو فعلت، أو كنت فررت به، لكن كيف؟ أنهكني المسير، بعد بضع خطوات سأسقط للنهاية، ولن أخاطر بخطوات عمري الباقية؛ لأنني لا أرغب أن أنتهي الآن، لكن ما ضير النهاية الآن أم بعد بضع خطوات؟ إن الموت بعد الموت لا يؤلم، أضحيت أكره دنياي وقلبي ونفسي وكلماتي وسمائي وقلمي وورقي.
وما أردت أن أصل إلى هذه النهاية، جعلت أتجنبها، لكن كل الطرق التي سرت فيها أوصلتني إليها. أصابني اليأس فلا جدوى من أي طريق آخر؛ فكل الطرق مزيفة وكاذبة، ولا تحمل الحب أو الوفاء، كلها تؤذي مارتها وحتى من يعبر عليها فقط.
فما بالك بمَن احترف السفر في هذه الطرق، كل طريق منها فيه زهرة من زهوري، فرد الطريق علي بإهدائي قبرا من قبوري يدفن فيه الزهور، وأنا أظن أنه يجمعها لي حتى يعطيني إياها إذا ما عدت إليه، لعله علم أنني لن أعود، وإذا عدت فسيحتويني قبر ما مع زهرة ما من زهوري.
هدّني البحث عن الطريق، وهدّني الألم كلما فشلت؛ لذلك سأجعل أي طريق يأخذني إلى أي نهاية. المهم أن انتهي إلى شيء، أي شيء. المهم أن لا أتوه أكثر؛ فكل الذكريات تذبحني وأشيح بوجهي وأصم أذني ولكن داخلي يقول: أتنسين؟ أتريدين أن تنسي؟ كل الصور تضيع إلا هذه الصورة ملتصقة بعيني، وكل الأصوات تخرس عدا ذاك الصوت، يصرخ في أذني ويثير جروح قلبي حتى وإن خبأته يبحث عنه كأنه يبصره، يمسكه بقبضته ويعتصره اعتصاراً حتى يستعطفه قلبي قائلاً: ارحمني.
لكن ذاك الصوت لا يطيع ثم يرمي به بين الموت والحياة؛ فأراه ملقى أمامي، لكنني لا أقوى على انتشاله؛ فأنا في حاجة إلى من أستند إليه، وقد آليت أن لا أحد يستحق أن أستند إليه أن ينشد قلباً كقلبي، لذلك.. النهاية لا ريب.. ال.. ن.. ه.. ا.. ي.. ة.
|