ولا زال حديثنا مستمراً عن أخبار الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، الذي جاء بالصدق، وعرف به قبل مبعثه وبعده، وبعد وفاته. فقد تحققت جميع أخباره، ووقعت كما أخبر، على الصفة التي أخبر، فتحققت المراتب الثلاث في جميع أخباره: المرتبة الأولى، وهي مرتبة: علم اليقين، وهذه المرتبة متعلقة بالسماع، وهذه الأخبار جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام بأصح الأسانيد. والمرتبتان الثانية، والثالثة، وهما: عين اليقين، وحق اليقين، عندما وقعت هذه الأخبار كما أخبر عنها من غير زيادة ولا نقص، فصارت أمرا واقعا مشاهدا بالحس، ومن تلك الأخبار:
- ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ، وهو يضحك قالت فقلت ما يضحكك يا رسول الله؟ قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة يشك أيهما. قال قالت فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت فقلت ما يضحكك يا رسول الله؟ قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله كما قال في الأولى قالت فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال أنت من الأولين، فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت.
- وفي لفظ آخر لمسلم: فقلت ادع الله أن يجعلني منهم، قال فإنك منهم. قالت ثم نام فاستيقظ أيضاً وهو يضحك فسألته فقال مثل مقالته فقلت ادع الله أن يجعلني منهم قال أنت من الأولين. قال فتزوجها عبادة بن الصامت بعد فغزا في البحر فحملها معه فلما أن جاءت قربت لها بغلة فركبتها فصرعتها فاندقت عنقها.
- وفي لفظ آخر للبخاري: أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص، وهو في بناء له ومعه أم حرام. قال عمير فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا قالت أم حرام قلت يا رسول الله أنا فيهم قال أنت فيهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، فقلت أنا فيهم يا رسول الله قال لا.
ففي هذا الحديث بألفاظه إعجاز عظيم من وجوه عدة:
1- أنه أخبر بأن جيش المسلمين سوف يغزو البحر.
2- أنه أخبر بأن أم حرام - رضي الله تعالى عنها - ستكون في هذا الجيش وقد قال: (فإنك منهم) وفي اللفظ الآخر قال: (أنت فيهم).
3- أنه أخبر في نفس المنام بأنه رأى طائفة من أمته غزاة في سبيل الله، فلما سألته أم حرام بأن يجعلها من هذه الطائفة قال لها: أنت من الأولين، يعني من الطائفة التي غزت البحر والتي هي أول ما رأى في منامه.
- فتحققت هذه الأمور كلها، وبعد وفاته بسنين عديدة!، فإذا بالمسلمين يغزون البحر في عهد معاوية بن أبي سفيان - رضي الله تعالى عنه -، وإذا بأم ملحان - رضي الله عنها - تكون مع هذه الطائفة التي غزت البحر كما أخبر عليه الصلاة والسلام.
- فيا سبحان الله! فكأنما هو - عليه الصلاة والسلام يقرأ المستقبل في ورقة مكتوبة عنده! فمن أين له العلم بذلك كله؟!.
- وفي الصحيحين: عن عكرمة قال لي ابن عباس ولابنه علي انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى ذكر بناء المسجد فقال كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. قال يقول عمار أعوذ بالله من الفتن.
- وفي لفظ للبخاري: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين فمر به النبي صلى الله عليه وسلم ومسح عن رأسه الغبار وقال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار.
- وفي لفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول بؤس بن سمية تقتلك فئة باغية.
- والإعجاز هنا من وجوه:
1- أن عمارا رضي الله عنه يموت قتيلاً.
2- وأنه يقتل من قبل بعض المسلمين.
3- وأن من قتله من البغاة.
4- وأن الصحابة يتقاتلون.
5- وأنهم يكونون فرقتين باغية وغيرها.
- وكل هذا قد وقع مثل فلق الصبح.
صلى الله وسلم على رسوله الذي جاء بالصدق وصدق به.
- وصدق الله إذ قال: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } (4) سورة النجم .
* ونكمل خطواتنا نحو حق اليقين في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
* عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء بالرياض |