القتل على الهوية في العراق

أكثر من حرب تدور في العراق؛ فهناك حروب صغيرة، لكن قوائم ضحاياها في تزايد، كما أنها باتت تشكل جلّ الأخبار في النشرات الدموية اليومية، ومع ذلك فإن هذه الأخبار باتت لا تثير الكثير من الاهتمام حتى وإن بلغت أرقام القتلى العشرات أو تجاوزت سقف المئات؛ فالإحصاءات عن شهر أبريل الماضي فقط تتحدث عن 1091 قتيلاً، وهؤلاء هم الذين تم رصدهم، وفي الذهن دائماً جثث مخفية ومقابر جماعية سرية.
وأكثر ما يخشى أن يعتاد الناس على هذه الأرقام المهولة اليومية؛ ليصبح التعايش مع القتل المريع هو القاعدة، وفي هذه الأجواء تنعدم الثقة بين الناس العاديين، وبينهم وبين السلطة التي باتت أبرز المتهمين في إطار التصفيات؛ فهناك مليشيات بعينها ضمن التنظيمات شبه العسكرية باتت الهاجس الأكبر للسكان العاديين بسبب سمعتها كمحترفة للقتل على الهوية.
وإلى هذه المليشيات ينسب القتل الجماعي الذي يتبدى في شكل جثث بالعشرات يتم العثور عليها يومياً وعليها آثار للتعذيب، وحالما يتم الإعلان عن هذه الجثث فإن جثثاً أخرى تظهر في الطرف المناوئ بعد يومين أو ثلاثة، وهكذا تدور عجلة العنف وفقاً لهذا السياق المأساوي المقيت الذي يتغذى يومياً بزخم متعاظم من الحقد والكراهية والرغبة القوية في الانتقام والانتقام المضاد.
ووسط هذه الحالة غير السوية فقد اضطر العراقيون في أحيائهم السكنية إلى حمل القانون في أيديهم لحماية أنفسهم، وأصبحت القاعدة أن يملك كل راشد أو راشدة قطعة من السلاح، ومن الصعب، مع هذه الحالة، وقف هذا التوجه نحو التسلح، كما أنه من الصعب العودة بالأمور إلى سابق عهدها، حتى وإن حدث قدر من الاستقرار السياسي؛ لأن ثقافة السلاح أصبحت إحدى سمات الشخصية العراقية.
ومن المؤكد أن جهداً كبيراً مطلوب لاستعادة الثقة بالدولة وبالنظام بشكل عام، ومن المهم أن تبادر الدولة إلى فعل ذلك من خلال تخليص أجهزتها من فرق الموت أو من أية ممارسات تثير الشبهة؛ ومن ثم السعي إلى تقوية الأجهزة الأمنية على أسس من شأنها زرع الاطمئنان في نفوس المواطنين، ويؤمل أن يكون مثل هذا التوجه ضمن أولوية أجندة الحكومة القادمة التي ينبغي أن ترى النور بسرعة؛ لكي تتولى كامل الشأن العراقي كي تنتفي السلبيات المرافقة لوجود الاحتلال، والتي من ضمنها جماعات تتدثر بمقاومة الاحتلال بينما هي تنفذ أجندة بعيدة كل البعد عن الهم الوطني الأم.
فالتعجيل بحكم وطني راشد وحريص على التصدي للأولويات، بما فيها تلك المتعلقة بالأمن، من شأنه أن يؤدي إلى انحسار كل سلبيات الاحتلال؛ وبالتالي التمهيد لأجواء أكثر وطنية وأكثر مدعاة للثقة.