قاتل إحساس الإنسان ساعة الوداع الذي لا عودة منه، وداع يدفن أمانيك وأحلامك في مقابر الحياة.. وداع يتسم بسواد الحزن حيث لا نجمة تلمع ولا قمر يبتسم بعده في ثنايا روحك.
وما يبقى إلا أثر باهت من حلم قد كان ولن يطول به الزمن حتى يكون كباقي الوشم على ظاهر اليد!!
وماذا بعد؟ النسيان!! درجة ثانية من الألم ولعلها تكون أخف وطأة من الوداع.. وإن كنت أشك في ذلك.. فالنسيان عصي على المشاعر الحية وإن قتلت، وآه فبأي ذنب قتلت؟
هذا مما يزيد في المعاناة وصعوبة الصعود إلى قمة النسيان.. فقواك أضعف من أن توصلك إلى هذه القمة، فأنت إنسان ابتنته مشاعره وأحاسيسه، وصدمته حقيقة الواقع المتصلب، لتمتلئ ذاته بكثير من التصدعات التي أبت على الزمن برئها وأرتأت بل استلذت نزفك الصامت.. متحدياً آهاتك وآلامك.. إلى متى؟ لم يعد الصمت مجدياً، ولا الانتظار شافعاً كافياً لتطييب وجيعتك.. إلى متى تخفي بالأقنعة وجه الحقيقة؟ هذه الأقنعة المهلهلة لم تعد تكفي لستر الندب والتشوهات وآثار المعالجة
الزمنية للجراحات التي تلقتها المشاعر والأحاسيس الصادقة.. هذا الصدق الذي للأسف تاهت صوره على مفترق الطرق، ويصعب تجميعها فقد تناوشتها الأيدي الناعمة الملمس، ذات المخالب الخفية لتطمس معالمها ويتولد عنها نسخ مجموعة من التشوهات كمخلوق عجيب (خليط من الإنسان والشيطان والحيوان) لم يعد بالإمكان أن نؤمن بهذا الخليط من الآخر الذي دخل حياتنا من أوسع أبوابها، ليخرجنا من حياته بكل استهتار واستخفاف وكأنه لا جديد تحت الشمس.. أيها الآخر الذي ترى نفسك بريئة براءة الذئب من دم يوسف.. أنت عندي إخوة يوسف في كيدهم.. أيها الآخر كنت حلماً وأملاً ثم واقعاً نهلت من حلوه المر.. الآن أصبحت ماضياً بلا ذكرى، واقعاً بلا خيال، جزءًا من حياة ليست لي ولست منها.
حانت ساعة الوداع ولكن بلا دموع فقد جفت المآقي.. بلا كلام فقد فرّت الكلمات باكية بصمت.. وخلسة اقتنصت منها هذه الكلمة لأهديها إليك أيها الآخر (وداعية حيث لا لقاء يجمعنا).. ولندع الجراح للزمن.. عله يكمل ترميم المشاعر إن بقي منها نابض بالحياة... وداعية يا...!!
|