تعد كتابة التاريخ وخاصة التاريخ المحلي أو الوطني واجباً والتزاماً وطنياً، وضرورة تحتمها اعتبارات كثيرة منها حفظ ذاكرة الوطن، وتقوية الانتماء، وتنمية العواطف، وإبراز دوره وجهوده وأعماله ومكانته. ومن خلال كتابته أيضاً يتشكّل الوعي التاريخي وهو الوسيلة التي يستطيع أي إنسان من خلالها إدراك ومعرفة الإرث الحضاري والتحولات والتطورات التي مرَّ بها أسلافه.
والعمل التاريخي عملية علمية شاقة يقوم بها اختصاصيون أو مهتمون يكونون على درجة إعداد علمي أو معرفة بذلك، كما يكون لديهم تمرّس ودربة على مناهج البحث والاطلاع على علوم أخرى مساندة، وكذلك لغات مساعدة.
ومن الأمور الملاحظة التي تستوقف مَن له علاقة بكتابة التاريخ المحلي ما يتردد بين حين وآخر ب(الحساسية) التي جعلت من كتابته إشكالية قائمة، وتظهر هذه الإشكالية من حين لآخر ممثلةً في عدم الرضا عن بعض الكتب الصادرة بسبب عدم القناعة بما تحتويه، أو الاختلاف مع المؤلّف في بعض النقاط، وقد يؤدي الأمر إلى سحب الكتاب أو إيقاف نشره، في حين أنه كان من الأفضل إتاحة المجال للنقد العلمي، ونقاش مثل هذه الأعمال على صفحات الدوريات المحكمة أو حتى الدوريات العامة مع إعطاء صاحب العمل المنقود الحق في الرد والدفاع عن وجهة نظره.
كما أن هناك مسألة مهمة تخص مسألة (الرقيب) وما يفعله أحياناً من حذف معلومات أو اختزالها بسبب ما يُسمى ب(الحساسية) من وجهة نظره وقد لا تكون كذلك في الأصل.
ولعل ذلك يجرني إلى تساؤل: هل هناك حساسية في كتابة التاريخ؟
كل مختص ومهتم يعرف أنه لا أهواء في التاريخ، وأن أي تاريخ وفي كل تاريخ جوانبه السوداء، بل شديدة السواد. وأن هذا الجزء هو المتمم للجوانب المشرقة فيه، ولعلي أقول إنها الشرط فيه، (فقطعة النقد ليس لها أبداً وجه واحد).
إن كتابة التاريخ كما هو، وقول الحقيقة هو أكثر استجلاء لواقع الوطن وأبلغ خدمة لواقعه من اختزال أو حذف، وإذا ما حاول المؤرّخ إبراز جوانب وأخفى جوانب يعتقد من وجهة نظره هو أنها (معتمة) فإن ذلك العمل سيشوِّه الحقيقة ويسيء إلى أبناء الأمة الذين يريدون الوقوف على الحقائق ليتعظوا ويعتبروا بالأحداث الماضية والتاريخ بلا شك (عظة وعبرة).
إن الهدف من كتابة التاريخ المحلي هو أن يكون عبرة للأجيال بحيث يكون ذلك التاريخ المرآة الصادقة لتصوير الماضي فيتعظ النشء بانتصاراته ويقف على الجهد الذي بذله الأجداد في ترسيخ وحدة هذا الكيان بحيث يكون الفرد مديناً لقادته ولآبائه وأجداده. كما يكون في موقع المسؤولية أمام الأجيال القادمة على اعتبار أنه سيقوم بتسليم التراث خيراً مما تسلّمه من أسلافه. وبذلك نكون قد أشعلنا جذوة الانتماء في مواطنين صالحين يشعرون بالمسؤولية نحو تاريخهم ونحو أبنائهم، ملتزمين وطنياً ومؤمنين بأهمية مكتسبات الوطن وعاملين على الحفاظ عليه، وتلك أجل خدمة يقدِّمها المؤرِّخ عندما يكتب التاريخ كاملاً وواضحاً لأنه بعمله هذا يعمل على إعداد المواطن لا ليعيش في حاضر دائم وإنما ليعيش في الحاضر المتطور نحو المستقبل.
|