لا شك أن التساؤل الأكثر طرحاً وانتشاراً في عموم الشارع العربي ينحصر في تنامي علامات الاستفهام حول موقف العرب من جميع المبادرات والأفكار وطروحات الإصلاح الخارجية الهادفة من حيث مظهرها إلى تنمية وتطوير منطقة الشرق الأوسط، فيما أن باطنها أو جوهرها قد يكون عكس ما يبدو عليه ظاهرها تماماً.
وحي الواقع يؤكد أن المنطقة من النواحي الكمية والنوعية تتراجع إلى الوراء إستراتيجياً، وبحكم المنطق يطرح السؤال: كيف يمكن تبرير هذا التراجع الإستراتيجي إلى الوراء؟ لماذا هذا التراجع المتواصل؟ وما هي حيثيات ذلك التراجع الذي يفاجأ العامة والخاصة والنخب المحيطة بها خصوصاً ممن يحرصون على متابعة التطورات السياسية العربية الخطيرة؟
الجواب يكمن في القضية العربية برمتها التي لم تعد قضية مد وجزر سياسيين تتفاعل في العالم العربي ويمكن من خلالهما التحرك ولو بقدر ضئيل لتحقيق الأهداف والمصالح العربية التي تجمدت على المسؤولين الفردي والجماعي بفعل الوصاية الدولية التي تطل برأسها الخبيث اليوم على المنطقة تحت مسميات مختلفة فيما تضع على وجهها مختلف الأقنعة الحديثة.. نعم ما أشبه وصاية اليوم بوصاية الأمس الدولية الجبرية التي أطلت على.... ومن ثم فرضت على العالم العربي بقوة الحديد والنار بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
السبب بالطبع أن الدول الكبرى عامة والغربية خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر توصلت بدورها إلى نتيجة سبق وأن توصلت إليها الدول الكبرى فيما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومع الأسف بدون مفارقات أو اختلافات. النتيجة حتمية نابعة من قناعة الدول الكبرى ولكن بدرجات متفاوتة بأن دول منطقة الشرق الأوسط العربية ليست في وضع إنساني ولا في مكانة سياسية تمكنها من الشروع في تنفيذ الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي من المفترض حسب الروشتة الغربية أن تسهم في تنمية وتطوير وتقدم شعوبها.
لهذا وبحكم هذا المنطق فإن قيادة حركة التنمية والتطوير في العالم العربي لابد وأن تدار من الخارج بتوجيهات وبممارسات وضغوط غربية مباشرة (بل وبأي وسيلة كانت) بعد أن فشلت تلك الدول في إدارتها عن بعد بالريموت كونترول.
السؤال من الذي يجب أن يلام لوصول العرب إلى هذا الوضع والمستوى؟ لا جواب له إلا من ذات المصدر، فالعرب هم الطرف الوحيد الذي يجب أن يلام بالدرجة الأولى قبل أي أطراف أخرى خارجية خصوصاً ملامتهم على حركة الجمود السياسي العربي التي عادة ما تقود إلى حركة من التخلف السياسي العربي إلى الوراء.
واقع الحال لم يختلف عن واقع الماضي العربي فآلية صناعة القرارات السياسية العربية على مستوى الجامعة العربية (العمل العربي الموحد والمشترك) كانت ولا زالت تمارس الحركة من الموقع ذاته (مكانك راوح). بل لا زالت تواجه موانع وعقبات ذاتية عاتية وتعاني من معوقات داخلية مزمنة تدار أيضاً مع الأسف بالريموت كونترول الغربي من الخارج.
التعثر السياسي العربي المتواصل على الساحة الإقليمية والعالمية يبقى دون معارضة في وقت تؤكد فيه الأحداث الجلل الراهنة التي تعصف بالصعيد العربي بأنها لا زالت القوة الرئيسية التي تمعن في إضعاف مناعة الجسد السياسي العربي بل وتعمل على تفكيكه من الداخل.
الخارج يراهن كالعادة على الشرذمة العربية السياسية وعلى التمزق العربي الذي تتضح معالمه في الاختلاف الجسيم على الغايات والخلاف المستميت عليها بل وعلى الوسائل، الأمر الذي يكرر مرة أخرى غياب الموقف العربي الموحد تجاه التحديات والمخاطر الخارجية التي أضرت بمصالح المنطقة العربية منذ أن اختلف العرب على إدارة الصراع مع الغزاة المغول وكيفية مواجهتهم وإلى اليوم.
الاختلاف في متغير المصالح العربية الخارجية كانت مصادر حراكه في الماضي بفعل المصالح والأطماع الذاتية خصوصاً جشع الصراع على السلطة. حدة المخاطر تفاقمت أكثر بعد أن نجح المتغير الخارجي في اختراق أجزاء عدة من الجسد العربي لتسهم بدورها في تصعيد محاور الخلاف والصراع العربي - العربي إلى حد التناقض والتباعد والتباغض.
لا ريب أخيراً أن السؤال المصيري الذي يطرح نفسه هنا يتمحور حول متغير الوعي العربي.. فمتى يعي العرب، كل العرب، دروس التاريخ؟ متى يستفيدون منها لمواجهة حقائق مخاطر الحاضر المهولة؟ هذه الأسئلة تقود بدورها إلى السؤال المنطقي النهائي الأخير: متى يصل العرب إلى مستوى من النضج السياسي الواعي بمغبات الأمور الذي يمكنهم من إدراك مخاطر الهيمنة الخارجية على مستقبل الجميع دون استثناء؟
إن العالم العربي يقف اليوم على فوهة بركان ثائر لا يمكن توقع وقت انفجاره، ولا يمكن استبعاد انفجاره.. المسألة إذا باتت محصورة في ضرورة تحريك الوعي العربي للتحرك بعيداً عن فوهة البركان أولاً قبل أن يفكر العرب كيف يمكن أن يتعاملوا مع مسببات وقوفهم على فوهته.
|