أكاد أقتنع أن حرية الصحافة في المملكة بلغت أرقى ما يمكن أن ترقى إليه. النقطة الحرجة إذا استمر الوضع الصحفي في المملكة على ما هو عليه سنحتاج إلى ثلاثين سنة قادمة حتى ننتقل إلى مستوى نوعي جديد من حرية الصحافة. الحرية ليست مجموعة قرارات وتسامحا ووعيا وإن كانت تلك عوامل حاسمة، لكن هناك عامل داخلي تقرره الصحف نفسها. فلو وازنا بين مساحة الحرية القائمة قبل سنوات قليلة وبينها الآن سنجد أن الفرق نوعي. ويقابله في الوقت نفسه فرق في الإمكانيات الصحفية. ارتقاء الصحافة في الكوادر وفي التكنولوجيا وفي فهم طبيعة الدور فرض جزئياً الحرية الصحفية التي نتمتع بها الآن. على قاعدة أن إمكانياتك تقرر حقوقك وتقرر المرتبة التي تستحقها في سلم القوة في المجتمع. عندما نسمع أن الصحافة في بريطانيا أو أي دولة أوروبية هي السلطة الرابعة فهذا ليس سوى تعبير عن قوة وحضور الصناعة الصحفية والعاملين فيها في مسألة تجاذب القوى التي صنع القرار في تلك البلدان. فالمجتمع تنتظمه مجموعة من القوى وكل قوة تفرض وجودها بقدرتها الذاتية لتأخذ حصتها من السوق كالشركات المتنافسة في سوق واحد. لا يوجد قوة سوبر فوقية توزع القوى بين أطراف المجتمع. وإن وجدت هذه القوة فهذه القوة هي أيضا تحتاج أن تحافظ على استمرارها مما يعني أنها داخلة بطريقة أو أخرى في لعبة التجاذب والصراع وستساند القوة التي تخدمها وتخدم بقاءها كقوة سوبر.
تشكل الصحف السعودية الآن قوة فاعلة (ولكن غير حاسمة) في المجتمع. بدأ تأثيرها وسلطتها يصلان إلى مستوى حساس جداً. لكن لا يوجد ما يمكن أن يضمن بقاء الصحافة عند هذا المستوى من القوة فضلاً عن ما يضمن تحقيق مكاسب أكبر. فالوضع الداخلي في الصحف لا يبعث على التفاؤل. فبقدر ما تتحدث عن الشفافية هي أبعد القوى عن تحقيق الحد المقبول من الشفافية، وبقدر ما تنتقد الدوائر في مسألة التدريب هي أقل الجهات التي تولي التدريب أهمية، وبقدر ما تتحدث عن حقوق المرأة وعمل المرأة لا نلاحظ أنها قدمت شيئاً جدياً في هذا الاتجاه. إذا استبعدنا بعض الريادة في مسألة التكنولوجيا المتبناة سنجد أن الصحف السعودية تعيش في داخلها كما تعيش الأجهزة الحكومية التقليدية. التنظيم الإداري فيها ينتمي إلى حد بعيد إلى التنظيم الإداري القائم قبل ثلاثين سنة، أما خط الإنتاج (التحرير) لم يصل بعد إلى المرحلة التي وصل إليها في الحقوق. مستوى نقد وزراء البلد والسياسيات الاستراتيجية لا يمكن أن يقوم على مجموعة من الهواة. على عاملين نصف دوام وربع دوام. لا أعرف كاتباً واحداً من الكتاب في صحف المملكة يعمل بعقد رسمي بوصفه محترفاً. وهذا يسري حتى على الصحفيين بمختلف تخصصاتهم. تبني كثير من الصحف قاعدة قرائها على الصفحات الرياضية وتقدم أكثر من أربع صفحات يومياً ومع ذلك فرئيس القسم الرياضي في كثير من الصحف غير محترف. له وظيفة أخرى. ناهيك عن الصفحات الأخرى كالاقتصادية والأدبية والطبية والمجتمع وغيرها. ليس من العقل أو من المنطق أن تسمح دوائر القرار العليا لعامل غير متفرغ وربما غير متخصص أن يصبح قوة فاعلة ومؤثرة في القرارات الاستراتيجية في البلد. إذا كانت كمية الحرية التي يمكن أن يمنحها صاحب القرار والمجتمع للصحف سوف تعتمد على قدرة الصحف على تحمل المسؤولية. إذا قرأنا الصحف السعودية من هذا المنظور سوف نرى أن المجتمع أعطاها من الحرية أكبر من حجمها.
تعتبر الصحف السعودية من أكثر القطاعات الاقتصادية ربحية. تصل أرباح بعض الصحف إلى عشرات الملايين لو قارنا توزيع ميزانية الصحف على نواحي العمل في الصحف سنجد أن مخصصات الإدارة أضعاف مخصصات التحرير. وظيفة رئيس التحرير اليوم تحقيق الأرباح. أي رئيس تحرير سعودي ناجح هو في الواقع رئيس تحرير الجريدة لشؤون الإعلانات. فجهاز التحرير ملحق في قائمة مهام رئيس التحرير. من السهل تحديد أسباب هذا الوضع المتناقض. لكن الحلول تحتاج إلى ثورة شاملة لا تتوقف عند مجموعة من التعديلات وإنما إلى دورة كاملة مقدارها مائة وثمانين درجة بحيث يصبح الرأس فوق والأرجل تحت كما أراد الله للأشياء أن تكون.
فاكس: 4702164 |