المتابع لما يُنشر في الكتب والصحف والمجلات.. وما يبث على الفضائيات والإذاعات.. وما يردّد في الجوامع والمجالس عن العولمة ومنظمة التجارة العالمية.. يجد أن الحديث عنهما منذ أن بدأ قبل عقدين من الزمان يربط بين فكرة العولمة وعمل المنظمة على أنهما تآمر صريح.. وإذا لم يكن التحذير منهما بسبب المؤامرة.. فهو غالباً سوف يكون عن الآثار السلبية التي سوف تجرّها على المجتمع اقتصادياً وثقافياً ودينياً.
مناصرو فكرة المؤامرة يقولون إن الذين يقفون خلف العولمة والمنظمة هم أهل اليمين في أمريكا.. وأنها حرب صليبية أخرى بشكل وأسلوب آخر.. أما المحذرون من الآثار السلبية التي ستؤثر على المجتمع.. فالاقتصاديون يحذرون من أنه سيتم إغراقنا بالمنتجات.. ونحن مجتمع في مطلع نهوضه.. واقتصاده ما زال في بدايته وسوف نكون لقمة سائغة للغرب.. وسيلتهموننا دون عناء أو مواجهة.. أما المثقفون فهم يحذرون من الاستلاب الثقافي لنا من قبل أمريكا والغرب.. وأنه قليلاً قليلاً ستكون اللغة الرسمية في البلاد اللغة الأمريكية.. وآخرون يحذرون من أن المنظمة سوف تفرض على البلاد السماح ببيع الخمر ولحم الخنزير وإقامة الكنائس لتنصير أفراد المجتمع المسلم.
من النادر اليوم أن نجد من يقول في العولمة أو المنظمة قولاً إيجابياً.. كفتح المنافسة على مستوى العالم.. وبدلاً من أن تكون بلادك هي ميدانك صار العالم كله ميدانك.. أيضاً من غير المفهوم أن يظن البعض أن العولمة الاقتصادية مؤامرة.. فمصدر هذه الفكرة والقوة الدافعة خلفها هو المجتمع الاقتصادي أي مجتمع رجال الأعمال.. وإذا كنا نحن في مجتمعات العالم الثالث قد اعتدنا على أن كل المبادرات الاقتصادية والثقافية تكون عادة صادرة من الحكومة.. فالحال في أمريكا والغرب يختلف كثيراً.. فالحكومات لديهم تنظر إلى مجتمع رجال الأعمال بالكثير من الحرص وتسعى إلى تحقيق كل ما يخدمه.. فطريق رجل الأعمال للازدهار هو أن تزدهر معه بلاده.. وما الحكومة إلا منظم ومراقب.. ورجل الأعمال من جهته على قدر معتبر من الذكاء.. فهو يعرف أن الأسواق لا تزدهر باللصوصية والنصب والاحتيال بل بالمشاركة والتعاون والتكامل والتنافس الشريف الذي يبرز القدرات ويحفز الطاقات والإمكانات.. ولا أدري أين المؤامرة في كل هذا؟.. إنها بكل بساطة منافسة دون زيادات أو إعانات رعوية.. وما كان يمكن أن تتحقق أهداف مجتمع الأعمال بخصوص العولمة الاقتصادية لولا أن العولمة الاتصالية قد سبقتها واكتسحت العالم كله.. وبذلك صعب على الحكومات الشمولية الدكتاتورية أو الجماعات الرافضة لكل جديد التغطية والتمويه على الناس بأن العولمة هي جريمة منظمة أو غزو خارجي.
بانضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية تكون المملكة قد دخلت حقبة جديدة.. حقبة عملية تحدد الأهداف وترسم مسار العمل وتنظم خطوات التنفيذ وتقاس بالنتائج وتحسب بالأرقام.. حقبة تزيد فيها مشاركة أفراد المجتمع في تحديد مسار حياتهم وتنمية مجتمعهم..
الحكومة هي الراعي ومهمتها أن تنظم وتراقب.. والمسؤول في الحكومة هو من يحرص على تسيير أمور عمله بالشكل الذي يحقِّق التنمية.. ولا ينعزل عن الناس فلا يُراجع ولا يُناقش.
|