Wednesday 31th May,200612298العددالاربعاء 4 ,جمادى الاولى 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"زمان الجزيرة"

الاثنين 28 شوال 1392هـ الموافق 4 ديسمبر 1972م - العدد (467) الاثنين 28 شوال 1392هـ الموافق 4 ديسمبر 1972م - العدد (467)
الأسس النفسية والاجتماعية والثقافية لانحراف الشباب
ديناميات الانحراف عند الشباب

بناء على التحليل السابق يضحى من الصعوبة بمكان عزل أسس أو محددات الانحراف عند الشباب عن بعضها، فالعوامل الاجتماعية وما يصاحبها من تغيرات اقتصادية وثقافية شديدة التداخل مع العوامل النفسية المترتبة عليها. وإذا أضفنا إلى ذلك طبيعة مرحلة الشباب نفسها وما تتميز به من القابلية للاستثارة وادراك مميز للواقع، ونمو سريع في الجوانب الجسمية والعقلية والاجتماعية.. وما إلى ذلك تصبح هذه الديناميات وحدة متفاعلة يصعب عزل نتائجها عن مقدماتها ومتغيراتها المستقلة عن التابعة، ومع ذلك فهناك محددات وأسس يتعين أن نسلم منذ البداية أنها سابقة على الآثار البادية لنا الآن.
ولعل أول هذه المحددات هو التغيرات الاجتماعية السريعة التي مر ويمر بها العالم بصفة عامة وعالمنا العربي بصفة خاصة.. وقد أوضحنا فيما سبق أن هناك تغيرات جذرية قد طرأت على النسق الاجتماعية في المجتمعات المعاصرة.. كما أدى التوسع في التصنيع إلى أحداث تغيرات سريعة في النسق المهنية.
وبالإضافة إلى التغيرات المادية الملموسة صاحب ذلك تغيرات ثقافية غير مادية لم تكن متوازنة في سرعتها مع التغيرات السابقة.. ولقد تعاظم الاتجاه نحو التحضر وان لم يكن قد بلغ حد تأثيره الدافع على السلوك، وبذلك أضحى هناك ما يشبه الهوة الثقافية لعلها في طريقها إلى الانكماش بين التغيرات المادية الفنية والملموسة في الأنماط السابقة، وما ينبغي أن تصل إليه الأنماط المعنوية من تغيير مواز، كل هذا أصبح يتجسد في الأسرة المعاصرة، فأصبحت أسرة جديدة وقديمة معا.
وتعاظمت تطلعات أبنائها نحو القيم والاتجاهات والأفكار الجديدة، وأحبطت بعضها بسبب هذه الهوة.
وبديهي أن يحدث تناقض تبدو ملامحه عند أبنائنا في النزعة المزدوجة للتشاؤم والتفاؤل معا، فهو يريد أن يعيش حياة عصره، لكن النسق الاقتصادي يستقطب كثيرا من متطلبات رفاهية هذه الحياة. وهو يريد أن يسلك ويفكر سلوك وتفكير عصره، ولكن نمط العلاقات الاجتماعية القديم الذي ما زال يبحث له عن صيغ جديدة، والنمط القيمي الحديث الذي لم تتجسد تماما وبالكامل في سلوك عملي يعيق من حركة هذا السلوك والفكر، وهكذا يضاف إلى المشاكل الطبيعية والخاصة للشباب مشاكل التغير الاجتماعي لمجتمعه فتتضاعف حدة الصراع وتتسع هوة الاغتراب عندهم. ومنطقيا أن يتشكل الانحراف ويتحدد بناء على ذلك فتظهر في المجتمع انحطاط من انحراف الشباب لها طابعها المميز في النوع والشدة.
إن لجماعات الشباب بناءها الاجتماعي وثقافتها الخاصة بها على النحو الذي سبق ذكره. وبالرغم من أهميتها من وجهة نظر المجتمع، ذلك من حيث هي تنظيمات وسيطية بين خصوصية وبساطة البناء الاجتماعي للأسرة، وتعقيد وعمومية البناء الاجتماعي للتنظيمات والمؤسسات الرسمية للمجتمع، إلا أنها تشبع حاجات نفسية وحيوية للشباب، فعن طريقها يجتازون أزمة الانتقال من الطفولة إلى الرشد، ويعيشون ازدواجيتهم العاطفية ويستأنسون بإحساسهم بالألفة والانتماء إلى عالم صنعوه بأيديهم.
وبديهي أنه بقدر انحراف ثقافة جماعة الشباب عن ثقافة المجتمع يأخذ انحرافهم طابعا جماعيا. وذلك لأن الشباب العضو في هذه الجماعة يعتبر سويا تماما في ظل هذه الثقافة وتحل عليه لعنتها الجماعية بك ما فيها من صرامة إذا انجرف عنها، وهو خارج هذه الثقافة أعني اثناء سلوكه في مجتمعه يعتبر منحرفا عن ثقافة هذا المجتمع.. وهكذا تندلع أعراض الاغتراب التي يغذيها الصراع بين شباب هذه الجماعات.. الأمر الذي من شأنه أن يضيف إلى متاعب الشباب الشخصية متاعب أخرى اجتماعية.
أما عن انحراف الشباب كأفراد في المجتمع (خارج نطاق جماعاتهم) فان هناك عوامل أخرى اضافية تتدخل في تحديد نمط وشدة هذا الانحراف.. ولقد أوضحت نتائج الدراسات المختلفة عن احتياجات الشباب ومشاكلهم أن هناك احتياجات كثيرة غير مشبعة عندهم.. ولعل أبرز هذه الاحتياجات تندرج تحت المجال الاقتصادي والأسري، حيث إن غالبية ابناء هذه الأسر قد تحولوا من عناصر كان يعتمد عليها في تنمية دخل الأسرة عن طريق دخول سوق العمل في سن مبكرة، إلى عناصر تحتاج إلى استمرار اعالتها وخصوصا الطلبة، ولما كانت معظم الأسر تعتبر محدودة الدخل، لذلك كان عليها أن تعيد موازنة أوجه انفاقها مع دخولها. وعادة ما يسفر ذلك عن تفاقم حدة صراع الأبناء بين الامكانات المحدودة للأسرة وبين الضغط الاجتماعي والنفسي الذي تفرضه الاحتياجات الجديدة والمتزايدة لأبنائها.
وقد يحاول بعض الشباب - خصوصا الطلبة - المساهمة في حل مشكلاتهم الاقتصادية عن طريق العمل في اجازة الصيف أو ما شابه ذلك، إلا أن سوق العمل في بعض الأحيان يقف حجر عثرة دون ذلك.
ومن دراسات أخرى تبين أن بعض مشاكل الشباب الحادة ترتبط بعلاقاتهم الأسرية وبعدم فهم الآباء لمطالب وتطلعات أبنائهم خصوصا ما يتعلق بمطلب الاستقلال وعدم توفر الحنان الأسري الضروري، وعدم تقبل الآباء لأبنائهم بالإضافة إلى عدم الانسجام الأسري.
وبالرغم من التوسع المضطرد في النشاط الثقافي إلا أن الشباب يعانون من عدم وجود وسائل اتصال مناسبة بالثقافة المعاصرة، ومن عدم توفر فرص الاطلاع على الثقافة المحلية والانفتاح على الثقافة العالمية.
كذلك قلة فرص النشاط الترويحي (الرياضة وغيرها) الموجودة حاليا لا تستوعب غالبيتهم ومعظمها متركز في أماكن معينة.
وفي المجال المهني يعترض الشباب مشكلات حيوية، أهمها نظام تنميط الوظائف وارتباطها المطلق بالمؤهل، وعدم وجود نظام حديث للتوجيه المهني يأخذ في اعتباره ميول الشباب وهواياتهم بالإضافة إلى طبيعة اعدادهم السابق، إن قائمة احتياجات ومشكلات الشباب لا تكاد تنتهي في ظل مجتمع سريع التغير، يتجه بسرعة غير عادية نحو التصنيع والتحضر.
وختاما فإن تفاعل هذه النواحي، العامة منها و الخاصة من شأنه أن يجعل من تحليل الأسس الاجتماعية والثقافية والنفسية لانحراف الشباب أمراً بالغ الصعوبة بحيث لا يمكن لدراسة مثل هذه أن تستوعب كل تفاصيله.. بيد أن الكاتب يحدوه الأمل في أن يؤدي هذا التحليل المختصر إلى إلقاء بعض الأضواء على انحراف الشباب..

د. محمود عبدالقادر

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved