العرب: المعروفون بالعرب (السامية) والمعرفون (بالعاربة) هم أولئك الذين استخدموا الخط القديم بأشكاله وقوالبه التي كانت عند من سبقهم، ونقصد بمن سبقهم قدماء المصريين والأنباط والسينائيين وغيرهم. كل العرب في جزيرة العرب وتحديداً في الحجاز ونجد لم يكن لهم عناية وشأن واهتمام بهذا الجانب، ليس للظروف الاجتماعية والاشتغال، إلا في العهد النبوي الشريف فقط، إذ لم يتطور الخط العربي إلا في القرون الهجرية الثاني فالثالث والرابع؛ فقد وجدت نقوش خطية في عدد من مناطق بلادنا لم تحط بدراسة وتحقيق ما هو الرسم وما هو الخط وهل أحدهم أصل للآخر؟ ومن أي الخطوط القديمة اشتق وأخذ الخط العربي؟ وما هو موقع الخط العربي في أطلس الخطوط؟ وما موقف المؤرخين من مهد ونشأة الخط العربي؟
قال ابن منظور في لسان العرب: وخط القلم أي كتب وخط الشيء يخطه خطاً كتبه بقلم أو غيره، وأورد ابن منظور حديث معاوية بن الحكم أنه سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخط؛ فقال: كان نبيّ من الأنبياء يخط فمن وافق خطه علم مثل علمه. وقيل إن الرسم سبق الخط وإن الحروف اشتقت بادئ ذي بدء من أشكال الطيور وبعض الحيوانات كما كان الخط الهيروغليفي.
لكن ما هو الرسم لغة؟
في مرجعنا السابق أوضح ابن منظور في حرف الراء ما نصه: الرسم: الأثر، وقيل بقية الأثر، وقيل هو ما ليس له شخص من الآثار.. إلخ، ولم يفصل ابن منظور حتى إلى ما نقصد بالرغم من أن معجمه معجم تفصيلي.
وفي الوسيط: رسم الثوب: خططه خطوطاً خفية، الرسامة: صناعة الرسام (مج)، والرسام: من يرسم بالقلم أشكالاً وصوراً وخطوطاً (انتهى المعجم الوسيط)، وفيما تقدم تتجلى علاقة الخط بالرسم، ولا سيما أن الإنسان القديم استخدم الرسم ونحوه على جذع شجرة كرسالة (وسائط نصية) عن مزاولة الصيد.
من أول من خط بقلم؟
اختلف المؤرخون العرب كعادتهم أصلاً حول من أول من تكلم العربية وهذا شأنهم حول أوليات الكثير من الجوانب الحضارية كالخط الذي أيضاً اختلفوا حول من أول من خط بالقلم والتاريخ المعاصر لم يكن له سوى نقل الروايات كما هي دون النظر فيها بترجيح أحد أطراف الخلاف بالأدلة والشواهد أو بالمنطق أو العقل والنقل، فإلى الخلاف حول من أول من خط بقلم أورد السويدي في كتابه سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب صفحة رقم 17 قوله عن (أخنوخ) أي إدريس عليه السلام: ملك حكيم أول من خط بقلم.. وأورد الطبري في تاريخه مج 1 ص (106) ما نصه حول ذلك، وهو أول من خط بعد آدم.. إلخ. وأورد الطبري حديثاً عن أبي ذر الغفاري قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا ذر أربعة يعني من الرسل: سريانيون آدم وشيث ونوح وأخنوخ وهو أول من خط بالقلم وأنزل الله تعالى على أخنوخ ثلاثين صحيفة. وصبح الأعشى للقلقشندي: أوضح أن أول من وضع الخطوط والكتب كلها آدم عليه السلام كتبها في طين وطبخة إلى قوله وقيل أخنوخ وهو إدريس عليه السلام. وقيل إن أول من كتب سليمان بن داود - عليهما السلام - وحكى عن ابن عباس أن أول من كتب بالعربية ووضعها إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - إلى آخر ذلك من قائمة الاختلاف، وأورد ابن النديم في الفهرست ما نحن بصدده قوله: واختلف الناس في أول من وضع الخط العربي؛ فأورد ما ساقه هشام الكلبي قوله: أول من صنع ذلك قوم من العرب العاربة نزلوا في عدنان بن آدم وأسماؤهم: أبو حادر - هواز, حطي - كلمون - صعفص قريسات قال: هذا من خط ابن الكوفي بهذا الشكل وهناك من المؤرخين من يرى أن أول من تكلم العربية: هو يعرب بن قحطان، وآخرون يرون ذلك كان من شأن (عابر) وهو (هود) عليه السلام.
ولدراسة ومعرفة من أين ومتى وكيف نشأ الخط واللغة العربية فإنه لزاماً علينا تأمل الأبجديات القديمة التي جاءت منها وولدت عنها اللغة العربية وخطوطها.انقسم المؤرخون في تقاريرهم ورؤاهم حول أقدم اللغات وبعضهم قرر دون شواهد من حياة الأمم، وسأعرض آراء ورؤى وتقارير المؤرخين القدماء حول نشأة اللغة والخط ثم تتبع ذلك بتحليل وبيان.قال ابن خلدون في تاريخه الشهير تحت عنوان الخط والكتابة مج 2 ص 745: وقد كان الخط العربي بالغاً مبالغه من الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة لما بلغت الحضارة والترف، وهو المسمى بالخط الحميري وانتقل إلى الحيرة، هذا القول أورده كثير من المؤرخين الأوائل والتوالي، ولا يمكن أن نحصر جميع الأقوال الواردة عن مبتدأ نشأة الخط واشتقاقه، ولكن نأخذ ما تسمح به المساحة هنا: هناك من يرى أن الخط العربي اشتق من الخط النبطي. ومن أولئك الدكتور عبدالمنعم عبدالحليم سيد كان أستاذ التاريخ القديم والآثار بكلية الآداب بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وقد دلل الدكتور عبدالمنعم على صحة قوله ومذهبه هذا بعدة شواهد ودلائل منها:
- تشابه الخطين النبطي والخط العربي المبكر.
- وجود الأربطة التي تميز الخط العربي في الخط النبطي المتأخر.. إلخ.
ورغم تلك الاستشهادات ومع تقديرنا للدكتور إلا أنني لا أجدني مطمئناً إلى أن الخط النبطي هو فرع للخط العربي، ونرى مع ما أوضحه ابن خلدون بأن أصل الخط العربي من اليمن، وأورد عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم عن أبيه قال: قلت لعبدالله بن عباس يا معشر قريش خبروني عن هذا الكتاب العربي هل كنتم تكتبونه قبل أن يبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى قوله: وممن أخذتموه؟ قال: من حرب بن أمية، قلت: وممن أخذه حرب؟ قال: من عبدالله بن جدعان، قلت: وممن أخذه عبدالله بن جدعان؟ قال: من أهل الأنبار، قلت: وممن أخذه أهل الأنبار؟ قال: من طارئ طرأ عليه من أهل اليمن، قلت: وممن أخذه ذلك الطارئ؟ قال: من الخلجان بن القسم كاتب الوحي لهود النبي عليه السلام، وأورد: كان لحمير كتابة تسمى المسند حروفها منفصلة وكانوا يمنعون من تعلمها إلا بإذنهم، ومن حمير تعلمت مضر الكتابة العربية.
ويوافق ابن النديم ابن خلدون في يمانية الخط العربي؛ حيث أورد في الفهرس ما نصه صحيفة رقم 14 - المقالة الأولى: قال محمد بن إسحاق فأما الذي يقارب الحق وتكاد النفس تقبله فذكر الثقاة أن الكلام العربي بلغة حمير - وطسم - وجديس - وارم - وحويل.. إلخ.وإذا كان الخط في الساميين بني سام فإن موطنهم الأصلي وفرعهم الأول ومهدهم هو جنوب شبه جزيرة العرب، وعلى أي حال فقد مرّ الخط العربي بمراحل ما بعد انتقاله من اليمن إلى الحيرة وأخيراً حطّ رحاله في الحجاز.
ولا شك أن الخط العربي في القرن الأول الهجري وما قبله كان خطاً رديئاً لحزمة من الأسباب نقتطف منها: عدم عناية عرب الجزيرة ومنهم عرب الحجاز بالخط وضيق انتشار الخط وقلة وندرة المشتغلين به، وأخذ الخط يتحسن رويداً وريداً حتى بلغ شأواً من الجمال في العهد العباسي وبدأ من القرون الثالث فالرابع والخامس وهلمّ جراً. ولن نشغل هذه المساحة بتفاصيل معالم ازدهار الخط في القرون المذكورة ونختصر الزمن لنقف على أوضاع الخط خلال القرن الرابع عشر هجري وحاضره ومستقبله؛ فنقول: مثلما لم يكن للعرب الأوائل شأن في تحسين وترفيع مستوى الخط والعناية بصياغته إلا من القرنين الثاني والثالث فقد كان الحال في عدم العناية في مملكة الخط العربي من حيث تدريسه والتوقيع فيه والعناية بمقرراته واعتباره وذلك خلال القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين باستثناء بعض البلدان العربية كمصر والعراق وسوريا، ولكن إلى حد ما، وأما مطلع القرن الجاري فقد تأثرت مملكة الخط العربي فناً ودراسةً ومقرراً، والطالب المعاصر لا يعرف من الخطوط إلا النسخ والرقعة؛ لأن النظرة القاصرة نحو الخط ترى أنه لا أهمية للخط، وليس بالضرورة، والخط من حيث التدريس مادة يتيمة وثانوية وليست ذات أهمية، ويزيد من توسيع الهوة نظرة البعض القاصرة إلى أن الحاسوب (الحاسب - الكمبيوتر) سوف يجهز على مملكة الخط العربي، وأصحاب مثل هذه النظرة لم يقفوا أساساً على أهمية ومكانة ومرتبة الخط؛ ولهذا فسوف نقف فيما يأتي على مكانة الخط في الدين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}(282) سورة البقرة، قال تعالى {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ} (145) سورة الأعراف، وقال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (1)، أما السنة النبوية الشريفة فقد حفظت للخط مكانته والاعتناء به ومن صور ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (قيدوا العلم بالكتابة)، وغير ذلك مما ورد في قيمة ومكانة الخط العربي. لهذا وذاك فإن من الواجب الاعتناء بالخط وعدم إهماله أو الحط من قدره، ولا تأثير من الحاسب (الكمبيوتر)؛ فالخط اليدوي هو التراث وهو التقليد الواجب استمراره وعدم الاعتماد على نماذج مطبوعة، وإذا أردنا مستقبلاً زاهراً للخط فإن على المؤسسات التعليمية إعداد مقررات دراسية شاملة ومحققة لأهداف تعليم وتدريس الخط العربي يقوم عليها رواد متخصصون في هذا الجانب الحضاري، وإلا فإن مستقبل الخط سيكون في خطر، ولا ننظر إلى أن الخط اليدوي أصبح تقليداً وشأناً رجعياً كما قد يعتقد البعض.
عبد الله الرزقي - العرضية |