Tuesday 4th July,200612332العددالثلاثاء 8 ,جمادى الثانية 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

السِّجل الدموي للقرن العشرين..! (1-2) السِّجل الدموي للقرن العشرين..! (1-2)
د. حسن بن فهد الهويمل

هذا العنوان منتزع من سياقه في كتاب يرصد للأحداث العالمية المتلاحقة بكلِّ ما تنطوي عليه من وحشية وفوضوية. والدم المسفوح ليس قصراً على الأنفس المعصومة، وإنّما هو للمبادئ والقيم والمواقف النبيلة. وما كُتب القتال في الإسلام إلاّ لحفظ الضرورات الخمس، أمّا اليوم فإنّه خيار الأقوياء، لضمان التفوُّق وتدفُّق المصالح. ولقد هُديت إليه، وأنا أحضِّر لمقال حول (الحرية) و(الفوضوية) في سبيل توعية من اتخذ المضلِّين عضدا، وإيقاظ المخدّرين بالتضليل الإعلامي، والسبّاقين إلى نشر الغسيل، وافتراء الكذب على الأهل والعشيرة.
ولقد كنت أظنُّ الكتاب رصداً لظاهرة (الفوضوية) بوصفها نظرية قائمة لها قواعدها وأساليب أدائها، وهي التي أنشأها الباحثون عن البدائل للنُّظم السياسية القائمة ظناً منهم أنّ بإمكان البشرية أن تعيش دون سلطة سياسية. وما كان لي أن أوغل في النَّيل من الكتبة الذين يستبقون السيئات، ويعمِّمون الأحكام، ويركنون إلى الذين ظلموا، ويعدُّون (الحداثوية) تجديداً، و(التنوير) إصلاحاً، و(الأدلجة) مذمّة على الإطلاق، و(الصحوة) إرهاباً، و(الأسلمة) تطرُّفاً، و(الغربنة) تحضُّراً. ومن تردّد أو تساءل عن شيء من ذلك فهو ماضوي ظلامي صحوي متطرِّف أو متعاطف. ومع كلِّ التحامل والإقصاء فهم منا، ونحن منهم، ومن الخير لنا ألاّ نجعلهم ينفضون من حولنا، وهم الثروة الحقيقية للبلاد. ومتى تفرّقت السُّبل بصفوة الصفوة، وأصبحوا شيعاً وقبائل يضرب بعضهم سمعة بعض، وهن عظم الأُمّة، واشتعل رأسها شيباً، من هول الفاجعة بفقدهم. والصدامُ معهم صدامٌ مع الذات:


(إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها
تذكرت القربى ففاضت دموعها)

وليس فيضان الأحبار بأقل من فيضان الدماء. وما لا مراء فيه أنّنا بِمِرائنا الظاهر والباطن نخدم أعداءنا، ونفتح لهم أجواءنا ليُصفِّروا ويفرِّخوا وينقِّروا ما شاء لهم أن يُنقروا، وها هم أولاء يمعنون في إدانة مناهجنا متسلِّحين بما تجود به طائفة من أبنائنا عن حسن نية أو سوء طوية، والله وحده المحصِّل لما في الصدور، وتقرير الخطأ لا يحتم تحديد الأهداف والنوايا.
والقرن العشرون الذي ثوى في أرض التاريخ، كما الجثامين التي تواري سوآتِها لحودُها، مزعج بانقلاباته الرعناء، وشعاراته الجوفاء، وحروبه المجانية، ولعبه الدنيئة، ولهاث كتبته وراء تزكية الحضارات المادية، والجدل عنها في الحياة الدنيا. لقد انطوى هذا القرن الدموي على مقترفات لا مجال لاحتمالها، ولا مجال لتبريرها والتعذير لمقترفيها. ولهذا هبّ المفكرون الغربيون للحديث عما أعدّته الإنسانية المعذّبة للقرن الحادي والعشرين، أو ما يمكن أن تعدّه. والمفجع أنّ هذا القرن استهل سنواته الأولى بما هو أدهى وأمر، وجاءت التصرُّفات الرعناء والتدخُّلات العسكرية التي اقترفت جناية الفراغ السياسي، ولم تسيطر على الأوضاع، فكان القتل، وكان التدمير، وواكبه صمت مريب أو تبرير غريب.
والكتاب الذي نحن بصدد الانطلاق منه لا الانطلاق به، يرصد الاضطراب العالمي عند مشارف القرن الحادي والعشرين، وكاتبه بارع في المتابعة والرصد والتحليل والخروج بنتائج، قد لا تكون في صالح الأمم المغلوبة، ولكنها إن لم تكن ذات فائدة مباشرة، فهي على الأقل تمكن من وعي الحراك السياسي داخل المنظومة الواحدة وخارجها، مما هو مؤثّر على سائر المسارات. ولكن المتصدرين للتنظير والتوجيه والتحكُّم في المصائر لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يذعنون للحق:


(ومن البلية عذل من لا يرعوى
عن غية وخطاب من لا يفهم)

والملفت للنظر أنّ الأباعد يجأرون بالشكوى، ويمعنون في الاعتراض على المقترفات، فيما يسكت الأقربون، وإن نطقوا لجُّوا في الخصام فيما بينهم، وقد ينبري منهم من يعذر، ويبرر، ويشرعن لانتهاك السيادة الوطنية، معلياً من شأن المعتدي، جاعلاً منه أسوة لمن شقي بمقترفاته.
ومن خلال متابعتي لهذا الكتاب ولغيره من الكتب المترجمة مثل (الاستعداد للقرن الحادي والعشرين) ل(بول كيندي) الذي تناول التحديات والانفجارات السكانية، وثورة العلم والاتصالات، وتأثيراتها، وأخلاقيات المتسوِّدين في المشاهد وخططهم، وحسابات الربح والخسارة في مجال الصراع، ومستقبل أوروبا، ومعضلة أمريكا. تبيَّن لي أنّ الكُتَّاب الغربيين محكومون بالخلفيات الثقافية، والهيمنة الحزبية، وتوجيه المؤسسات الراعية والممولة. وبعض أولئك يخفي عمالته، والجشعون منهم يسوِّقون إمكانياتهم، مثلما فعل (روجيه جارودي) حين حاضر وكتب عن خطر السعودية على الإسلام، بعد أن بَجَرت حقائبه من أفضالها وزكّى نفسه من مؤسساتها، وهؤلاء وأولئك على كلِّ الأحوال خبيرون ببواطن الأمور، متضلِّعون من مختلف المعارف، يخادعون، ولا ينخدعون. وقلَّ أن تجد مفكِّراً غربياً مستقلاً، لا يشغله إلاّ البحث عن الحقيقة وإحقاق الحق، ومن ثم فإنّ الركون إلى بعض تلك الشخصيات مصيرٌ إلى تلك الخلفيات، وتيك الحزبيات. والقارئ الحذر يأنس بالقول، ويستضيء به، ولا يركن إليه، على حد: (كنت أسأل عن الشر مخافة أن أقع فيه). ومن لم يعرف الجاهلية يوشك أن يعود إليها.
وما اتخذته من خطة ومنهج وآلية للحديث عن منطلقات أولئك الكتَّاب، لا يضع في المقاصد نقد الدراسات المشيِّعة للقرن الماضي، والمستقبلة لتاليه، والمراوحة بين الشماتة والتشاؤم والتنبؤ والمناصحة والمخاتلة والمخادعة، وإنّما استقراني للواقع من خلال الرؤى والتصوُّرات. فكتاب (بريجنسكي) (الفوضى) ليس على شاكلة كتاب (هذه هي الفوضوية) ل(هنري آرفون)، ولا على شاكلة كتاب (الفوضوية) ل(رجب بوديوس) إذ هما في سبيل تحرير النظرية والتأريخ لها. أما (بريجنسكي) فهو ناقد لهمجية القوة وغطرستها على شاكلة (غطرسة القوة) ل(ج. ويليام فوليرايت) و(الغرب وكتابة التاريخ بدم الآخر) ل(طه كبسة). ولن أتقصى كتباً مماثلة، يبدو فيها التحامل والاهتياج، وإن صدقت العزمات، وخلصت النوايا، مثل كتاب (صناعة الشر) ل(أحمد شاهين)، و(حضارة الدم وحضارتنا) ل(نزار بشير)، و(صناعة العداء للإسلام) ل(رجب البناء)، وكتب أخرى ليست إلى هؤلاء ولا إلى أولئك. ويقيني أنّ بعض الكتَّاب العرب آنيون تحرِّكهم الوقوعات الطارئة، وتصرِّفهم الأحداث العارضة، بحيث تنتهي إسهاماتهم التأليفية بانتهاء تلك الأحداث الوقتية. وذلك ديدن الإعلاميين الذين يقفون على أبواب المسارح السياسية ليتعرّفوا على الأحداث ويعرِّفوا بها. والذين لا يؤسِّسون أعمالهم على (استراتيجيات) صنّاع القرار، يمرون كما الطيف، ويذوون كما باقات الزهور.
وبالعودة إلى السجل الدموي للقرن العشرين تتبدّى لنا وحشية الحضارات التي تدَّعي التأسُّس على (الديمقراطية)، وحقوق الإنسان، والمرأة، والأقليات، والأجناس، والملونين، والطبقات، وحق الشعوب في تقرير المصير، وحق السيادة، ويكفي أن نتذكّر معتقل (جوانتنامو) وسجن (أبي غريب) لنجد أنفسنا تترنم دون وعي بقول الشاعر:


(قتل أمرئ في غابة جريمة لا تغتفر
وقتل شعب آمن قضية فيها نظر)

والثابت على مستوى الممارسة أنّ الحرية والعدالة والمساواة وسائر الحقوق حق للشعب الأقوى داخل أرضه، ومن خلال مؤسساته، أمّا الشعوب الأضعف فإنّها محكومة بالمصالح و(الاستراتيجيات)، وسياسة الاستعمار القائمة على مبدأ (فرِّق تسُد)، وعلى النظرية (الميكافيلية). ومع أنّنا نتحفّظ على الخطابات المتوتِّرة، وعلى خيار القطيعة، والجهر بالسوء وإن ظلمنا، إلاّ أنّنا لا نلوم المتميّزين من الغيظ، والمقاومين بالقول والفعل لدفع الظلم وانتزاع الحق، ولا يشفع لنا تداخل المقاومة مع الإرهاب جمع الظواهر في سلة واحدة. فالواقع لا يُحتمل، وليس من العدل أن نطفئ لظى الرفض على مبدأ عفا الله عما سلف. وإذ نميل إلى الوفاق والتعايش، وفتح صفحات جديدة، فإنّ ذلك لا يمكن أن يتحقق من طرف الضعيف المغلوب. إنّ على القوي الغالب أن يشيع الطمأنينة، وأن يفتح باب التفاؤل، وأن يضع أوزار الحرب، ويطفئ لهيب الوطيس، وأن يثبت بالممارسة حسن النوايا وسلامة المقاصد، وتوحيد المكاييل أو التقريب فيما بينها على الأقل، وكل ذلك لم يكن ولا أحسبه كائناً في المنظور القريب. ويكفي أن نقدم للتاريخ وللمخدّرين ببريق الادعاء (قضية فلسطين)، وهمجية الصهيونية، ووحشية أحزابها، ممن يستمرئون القتل بكلِّ برودة أعصاب بمباركة الأقوياء وحماة الحرية وحقوق الإنسان. وإطفاء لظى الكراهية لا تكون بالقول دون الفعل، وإن جنّد للدعاية وتحسين الصورة من لا يملك سحر البيان. واستياؤنا من أولئك الذين يسبون قومهم، ويشمتون بعثراتهم، ويموؤون كالقطط الأليفة على موائد الكائدين والماكرين والمتربِّصين.
ولكيلا نكون أدعياء فإنّنا نستحضر وثائق الإثبات من أفواه الخصوم، ليكون الشاهد من أهلها، ولسنا فيما نستعيد من مقترفات شامتين ولا محرضين، ولكننا نريد من المتهافتين على التزكية والتمجيد للغرب دون تحديد أن يستبينوا النصح قبل ضحى الغد، وما كان بودِّنا ألاّ نطاع، فنكون كما شاعر (غزية) الذي غوى بغوايتها حرصاً منه على جمع الكلمة. والغرب بوصفه (ليلى) العاشقين له وعليه، وعلّة العلل تغييب ما عليه. ولسان حال العاشقين يقول:


(تعشقتها شمطاء شاب وليدها
وللناس فيما يعشقون مذاهب)

ولست أشك أنّ المأزق العربي يكمن في تناقض المواقف، وتناحر الفرقاء، واختلاف الاتجاهات السياسية والفكرية، والإخفاق الذريع في إدارة الصراع العربي العربي، والصراع العربي الإسرائيلي، إضافة إلى ضعف المؤسسات العربية أو غيابها، وفشل كافة المشاريع القومية والوحدوية، وتنامي العداء والشك، وصراع المصالح الإقليمية، وافتقاد المناخات الملائمة لأيِّ حوار يتوسّل بالمصير المشترك.
ومشروعية اليأس والإحباط تقوم على مرور ستة عقود على الانقلابات المتلاحقة، والاتفاقات المتعددة، وخطابات الوحدة والحرية والاشتراكية والقومية الشعارية المخدِّرة، وكلُّ هذه الخطابات التجييشية والتخديرية ما زادت الأُمّة إلاّ خسارة وارتكاساً في حمأة الذل والمهانة. وسقوطها لم يكن بالتقادم، وإنّما كان بالوقوعات ك(غزو العراق للكويت) وخطابات التخوين وتصدير الثورات. والنُّخب التي تدير حوار المشاهد بثقة باذخة، واعتزاز زائف، لا تحس بما يدور وراء (الكواليس)، ولا ما يتداول في (اللوبيات)، فهي الحاضرة الغائبة، والصاخبة الفارغة، والعائلة المستكبرة. ومهما صرخت في وجهها فإنّها تعيش غياب الوعي، وتعزف عن قراءة التاريخ. فأين منها (أفغانستان) و(العراق) و(السودان) و(الصومال) و(لبنان) وسائر الدول النامية؟ فهل من مدّكر يعيد قراءة التاريخ الحديث؟ ليفيق على نكسات الأُمّة، ويبصر أشلاءها المبعثرة، وأوضاعها المتردِّية، ومهانتها في المحافل الدولية، وغيابها عند قضاء الأمور المصيرية، وما من عاقل باستطاعته احتمال مزيد من هذه الأوضاع. والمستمع الشهيد لمراء النُّخب العربية يتصوّر أنّها الآمرة الناهية، وأنّها تعيش في أوج عزّتها وهيبتها. والمتقري لصورة الغرب في ذهنية النخبويين العرب يراها في ذروة العدالة والإيثار والتحضُّر والمواساة والمساواة، وهي صورة تخلط بين الاقتدار والقيم، ومن لم يفرِّق بين (خضراء الدِّمن) و(حقول الأزهار)، يرضى من اللحم بعظم الرقبة، ليكون ك(أم الحليس).

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved