أية مسيرة تنموية، تطلبُ أن يكون لها مكان حضاري تحت الشمس، لا يمكن لها النجاح والبقاء والاستمرار، إذا لم يتم (إصلاحها) بالتقويم وعلاج الاعوجاجات بين فترة وأخرى، حتى وإن تطلب هذا التقويم ضرباً من ضروب (الجلد) أو (الكي) أو حتى (تعرية) انحرافاتها أمام أعين الجميع.
فمن الغباء أن تنتظر أن يقوم أي طبيب، مهما بلغ علمه وتمكنه من تخصصه، بعلاج علتك، أو على الأصح: عللك، إذا رفضت (أولاً) أن تكشف له عن صدرك كي يكشف عليك!.. ومن المستحيل في بعض الحالات أن يتوصل طبيبك إلى تشخيص (الداء) إذا كنت لا تقبل من حيث المبدأ أن تقف (عرياناً) أمام أجهزة التصوير الإشعاعي. وأخيراً، من الحمق، إذا لم يكن - أيضاً - من المستحيل، بعد التشخيص، أن تقبل العلاج، وتشترط ألا يكون (مؤلماً) كالكي أو (جلد الذات) مثلاً، وألا يمس (بعاداتك الغذائية) التي ورثتها عمن قبلك، كأكل (المفاطيح)، أو لعط (العسل) لعطاً وأكل التمر لمرضى السكر من أمثالنا، وخلافه.
وكنت أعالج أسناني لدى أحد الأطباء في الرياض، وقد أخبرني بقصة امرأة (عجوز) أتت إليه، وكانت تشكو بمرارة من ألم في أسنانها، وعندما طلب منها أن تزيح (غطوتها)، ليتمكن من الكشف عليها، نهرته بشدة قائلة: (هوه، الله لا يخزينا، حرام)!، رغم أنها من القواعد من النساء. ونست سيدتنا - أمد الله في عمرها - أن الإسلام الذي تتمسك به، وترى أنه لا يجيز لها كشف الوجه البتة، هو - أيضاً - الذي جعل للضرورة أحكام، حتى أجاز تحت إلحاح الضرورة، ما لم يجزه إلا للمضطر. وأخيراً وتحت إلحاح الطبيب، قبلت أن تزيح عن الجزء الأسفل من وجهها، وتبقي (الغطوة) وتجاعيد الزمن تكتنف من وجهها ما تبقى.
من يرفعون شعار (لا.. لجلد الذات) هم من صنف ذلك (المريض)، أو تلك (العجوز)، اللذين يريدان أن يفرضا على الطبيب كيف يُعالجهما، مستعينين بعقلية (الراعي والقطيع) الذي قال ذات يوم: (لا يقتل الذئب ولا تفنى الغنم)، فأصبح نصف الحل هذا، هو الحل (التوفيقي) وربما (التلفيقي)، الذي قد يكون مستحيلاً في كثير من الأحيان، ثم ارتقى في ذهنيات كثير من القوم إلى مستوى الحل (الأمثل) الذي لا حل سواه، رغم أنه عند التدقيق والتمحيص، حل (ناقص) في أفضل الأحايين.
والمتتبع لاستخدامات هذه العبارة (جلد الذات)، وكذلك (الخصوصية)، في السياقات الفكرية لدينا، يجد أن من يستخدمونها يرومون منها أن تكون بمثابة (الدرع) الواقي الذي يمنع سهام النقد من أن تصيبهم. لهذا فإن هذه العبارة تأتي دائماً كرد على من يستخدمون الأسلوب (النقدي) في أطروحاتهم تجاه المقابل. لذلك يمكن القول إنها عبارة (دفاعية)، أو (تبريرية)، تخفي وراءها رغبة عارمة في إبقاء (الراهن) كما هو عليه، وعدم مواكبة ضرورة التغيير والتحديث والإصلاح.. وإلا فهل يمكن أن يكون ثمة إصلاح دونما نقد، وعلاج دونما تشخيص العلة. وعندما نتفق (جميعاً) على (السكوت) عن العلل، أو النقد، بحجة (لا.. لجلد الذات) كيف يتسنى لنا الإصلاح وتقويم تجاربنا، والتطلع إلى غدٍ أفضل، وبقدر أقل من الأخطاء؟
ونحن نعيش الآن في عهد الملك عبدالله الذي هو عهد الإصلاح، وإعادة تقويم المسيرة، وارتفاع سقف المسموح به من النقد، إضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية، والضبط والانضباط الإداري على مستويات العمل الحكومي كافة، التي نرفل في أثواب عافيتها جميعاً هذه الأيام. ولأنه كذلك، تبنى -حفظه الله- فكرة (مؤتمرات الحوار)، التي كانت نقطة الانطلاق الحقيقية التي منها وبها جرى الاعتراف أن مجتمعنا متعدد الأطياف، والمذاهب، والتوجهات، وأن الحل الذي يقوم عليه تماسك ولحمة هذه البلاد، واستمرارها، أن نتفق على أن الوطن لجميع مواطنيه، وأن الاختلاف يجب ألا يلغي المواطنة. فمن المستحيل، أن تطالب أي مواطن (بالولاء والإخلاص) الكامل للوطن، وأنت تسلبه حق التعبير عن آرائه وآلامه وآماله ومعاناته. لذلك كله رفع الملك عبدالله شعار (دعهم يتحاورون).. نعم، هناك من يعتبرون أن (الولاء) للوطن يأتي في المرتبة الثانية بعد (الولاء) لكيانات أو تشكلات (خارج) الوطن، غير أن هذه (الفئة) - قلت أو كثرت - يجب ألا نبني عليها موقفاً، أو نجعل من ردود أفعالنا تجاهها (معياراً) ثم نتعامل مع الجميع بآلياته. وأنا على يقين أن مثل هذه الفئات مصيرها للاندثار، لأنهم سيكتشفون - كما اكتشف إخوانٌ لهم من قبل - أن الرهان على الخارج، أعني خارج الوطن، سيؤول بهم إلى أن يتحولوا إلى مجرد (مخلب قط) لمصالح من هو خارج حدود بلادهم الذي لابد وأن يستغني عنهم لا محالة يوماً ما، بمجرد أن يحقق مآربه التكتيكية أو الإستراتيجية.
هذا الوطن الذي تحقق على يد الأب المؤسس الملك عبدالعزيز ورجاله المؤسسين، نحن جميعاً معنيون بالحفاظ عليه، فبقاؤه بقاءٌ لنا ولأبنائنا وأحفادنا من بعدنا، وضياعه ضياع لنا ولأبنائنا وأحفادنا من بعدنا. ولسنا فيه، وبالنسبة إليه، إلا كغارس شجرة (الزيتون) الذي قال ذات يوم: زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون!. زرع الملك عبدالعزيز فأكلنا. وزرع سعود وفيصل وخالد وفهد وأخيراً عبدالله، وسوف يأكل أبناؤنا وأحفادنا من بعدنا؛ وهكذا تتواصل الأجيال.. إنها قصة (وطن) أيها السادة، إذا شفي شفينا جميعاً، وإذا مرض فنحن الخاسرون جميعاً أيضاً.
|