من معطيات العقل البشري قدرته على التعامل مع ما حوله من الأشياء، وتتفاوت هذه القدرة ما بين الأداء المتميز أو ما دون ذلك وذلك باختلاف الناس.
كما أن العقل مناط به كوظيفة التفكير الذي يعتمد على التأمل وقراءة ما هو ملموس أو غير ملموس من مكونات كونية أو نفسية بجانب أمور الحياة بصفة عامة.
وقد يعترض العقل بعض من مشاكل الحياة التي تحتاج إلى حلول وقرارات، فيؤديها العقل وإن تفاوت في مقدرته التي تعتمد على إمكانياته في مجالها الواسع بسعة تلك القضايا وتعدد مناهج الحركة ما بين العقل ومحور تفكيره ولعل سعة الأفق أو بعد النظر إضافة إلى قدرته نحو الإتقان، من خلال ما يتناوله من قضايا بشكل عام، وهنا يتجاوز العقل نمطية التفكير إلى حالة تميزها سعة الأفق ووضوح الرؤية.
فيرى الأشكال أو المشكلة او ما هو في مجال تفكيره من منطلق أرحب لهذه الاشكال وما يتوارى وراءه أو يحيط به.. تفكير عميق يقلب معه الأمر في كل مستوياته وأثره.
فتأتي النتيجة أقرب الى الصواب، ومثال ذلك الطبيب في علاقته مع مريضه ومسؤولية علاجه، فنجد ان الطبيب المتفوق في ذاكرته دون ان يملك شيئا من بعد النظر يتدنى اداؤه اذا قورن بطبيب آخر له حظ من سعة الافق وبعد النظر، فقد يتميز اداؤه ليأخذ مكانه من الصدارة في أمر غيره، كالمريض الذي كان يعالج في مايوكلينيك من مرض خبيث، ولقد استقر رأي الجميع من أطبائه على قرار لزراعة نخاع عظمي، وبعد الزراعة لفترة لم تتحسن حالته، واخذ منه الاعياء بمزيد من آلام مبرحة؛ ما دفع بعضا من أطبائه بتكرار عملية الزراعة والبعض من هؤلاء الأطباء رأى غير ذلك خوفا من ان هذا الإجراء قد يعجل بوفاته وان عامل الزمن على المدى القريب قد يتمخض عن حلول أخرى، ومع ذلك تمت الزراعة للمرة الثانية حيث ارادة الحق عز وجل قضت بوفاته. ومن خلال منظور علمي فيما بين القرار بتكرار الزراعة والانتظار، وكلاهما محسوب على الاجتهاد، فإن تقرير مايوكلينيك أكد صواب القرار الذي يدعو الى الانتظار، ولأن المريض معروف وذو شهرة فلقد كتب عن ذلك في نشرة مايوكلينيك، كحالة للمناقشة حيث ان الامر لا يتجاوز التباين في وجهة النظر والاجتهاد، وليس خطأ في الممارسة الطبية بقدر ما هو اجتهاد بين رأي وآخر، فسعة الافق وبُعد النظر حين تناول إشكال معين يتطلب قرارا لا بد من تفعيله وبالذات في مجال الطب فإن الناتج بهما أرحب حين يتم القرار بسعة في الأفق والتمعن في أبعاد القرار. ومن ناحية اخرى قد اتصور ان (القائد المنتصر والصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه) فيما أخذ به من قرارات في معاركه التي بها قاد جيوشه الى انتصار ساحق وبجانب ما يتمتع به من صفات القيادة، فإن بعد النظر وسعته اعانا تلك الخطط نحو هدف النصر.
المحصلة ان الذكاء عون على الطريق بل الأساس فيه وفي تزاحم مشاكلة، وان أخذ سعة الافق ووضوح الرؤية مكانهما يعزز ذلك الذكاء يحقق فيما اظن افضل النتائج وفق الجهد الانساني وما يستطيعه، كما ان الدهاء والذكاء اللاماح والفطنة يميز الذكاء، كذلك الخبرة وما هو مكتسب رصيد لهذا الذكاء. وأشير هنا الى أمر شائع هو أن فلانا عبقري.. واقع الأمر ان العقل مثل بقية الاعضاء، ينطبق عليه نفس القانون بأسباب ما خلق الله، وكذلك الطول او القصر يخلق به الانسان بإرادة الخالق عز وجل، ومن هذا المنطلق نجد ان توافر المزيد من تلافيف او تعرجات يخلقها رب العالمين في مراكز التفكير تزيد من الذكاء بل انها وراء حدته، ومن يقول بالعبقرية لدى احد من الناس فإنه يصف حالة، فالحقيقة فيما اعتقد أنها هبة من الرحمن الرحيم يخلقها بعلمه ومشيئته سبحانه وتعالى؛ الأمر الذي نشيد معه بالإنسان ونؤكد الفضل في حسن ما يفعله وفق إرادته وعزيمته التي أظن ان رب العالمين وهبها للإنسان، وحينما يتوجه هذا الإنسان بفيض إرادته في سبيل الاستفادة من ذكائه وسعة افقه التي وهب الله عز وجل وفعل هذا كله فالناتج سيتميز حيث الإرادة بقوتها تؤكد جهدا الفضل فيه لصالح هذا الإنسان في تميز الناتج عنه.
سبحان من خلق وقدر حيث قال في محكم كتابه {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا}، وكما قال الحق سبحانه في صورة التين {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}، وزاد في تكريمه أن أمر ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام.
|