لابد أن نواجهها كحقيقة قاسية لكنها مؤكدة، بأن الملمس المخملي للعالم من حولنا لم يعد كما كان عليه في السابق، وأن هناك بوابات من الجحيم قد أشرعت ضدنا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
قبل ذلك التاريخ المشؤوم كنا نبرز جوازات سفرنا الخضراء المورقة في الموانئ والمطارات كبطاقة نزهو بها وتؤهلنا للمرور السريع بل المرحب به دونا عن شعوب العالم، ولكن اليوم باتت تلطم أسماعنا المئات من قصص التعامل المهينة والقاسية ضدنا في المعابر والمطارات حول العالم.
وقد أصبنا جميعا بالصدمة بل بالفجيعة بعد الحكم القاسي ضد حميدان التركي في الولايات المتحدة، وبرزت أمام وجوهنا حقائق جديدة ومريرة بات من الواجب أن نتعامل معها بكل حرص وحذر.
وإن كان يطيب للبعض أن يدرج قضية المبتعث السعودي (حميدان التركي) ضمن نظرية المؤامرة وضمن الحرب القائمة بين الكفار والمسلمين، فإن هذا الأمر لم يكن موجوداً على الإطلاق طوال السنوات التي كان فيها العالم يستقبل آلاف الطلبة المبتعثين من السعودية منذ الستينات الميلادية. أولئك الذين نجدهم الآن يمثلون طبقة (تكنوقراط) واسعة في معظم الدوائر والمؤسسات الحكومية والخاصة.
هناك شرخ حاد وفجوة كبيرة قد انشقت بيننا وبين العالم الخارجي، داخل هذه الفجوة بدأت تصيح جميع الأصوات المتعصبة والمتشنجة التي ترجع إلى عصور الكهوف والظلمة، وفي هذه الفجوة بات ينعب كل ما هو بعيد عن الإنسانية وعن الشرف وعن القيم التي ظل الإنسان يسعى لها ويصارع من أجلها عبر التاريخ، ابتداء بالمحافظين الجدد في الولايات المتحدة وانتهاء بالجماعات الظلامية المحلية.
مشهد بنات (التركي) وهن يبكين أباهن بعد صدور الحكم ضده، هي لطمة للوجدان الشعبي تخبرنا بأن العالم في الخارج لم يعد يحمل ملامحه الودودة المتفهمة التي كان عليه في السابق، وهي أيضاً تخبرنا بأننا يجب أن لا نتوقع إطلاقاً من العالم أن يعي قوانيننا وعاداتنا ومن ثم يتفهمها ويقدرها بل هناك مئات من الترجمات الخاطئة لنا (إعلامياً) كشعب ولعاداتنا وهويتنا الثقافية وقد يكون أحدها أسلوب تعاملنا مع الخدم، والتي أسهمت الفجوة التي حدثت بعد سبتمبر في تضخيمها وتعظيمها.
المفارقة هنا أن أحد الشهود في قضية التركي كان أكاديميا يهودياً وكان على إطلاع شبه كامل على التركيبة الثقافية للشخصية السعودية والعوامل المؤثرة والمتأثرة بها، وكانت شهادته (كما أوردتها وسائل الإعلام) إيجابية للغاية وفي صالح التركي كشخص والسعودية كوطن، وهذا إن ثبت لهو بالتأكيد يشير إلى أن البشر بإمكانهم تجاوز جميع غرف التعصب الديني الخانقة والضيقة لينطلقوا إلى فناء الإنسانية الواسع والشمولي.
في النهاية لا نملك إلا أن نرفع أكف الدعاء لله سبحانه وتعالى أن يفرج كربة حميدان التركي ويجبر مصابه ويعيده إلى أسرته وبنياته قريباً، إنه على كل شيء قدير.
|