Saturday 22nd July,200612350العددالسبت 26 ,جمادى الثانية 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"البيعة الأولى"

العصر الذهبي للمثقف السعودي العصر الذهبي للمثقف السعودي

لا يمكن للمثقف الحر أن يقبل بدور الامتياز الهامشي في مجتمعه، ولن ينحاز الوعي لديه للأنشطة المجانية الشكلية، التي تتعالى على مجتمعها بفوقية مقيتة، وتبحر في التنظير بعيداً عن واقع ومواجع المعاش للمواطن البسيط الكادح، كما لا يجوز تحميل المثقفين تبعة الإخفاقات التي قد يمر بها المجتمع، أو يتعرض لها الأفراد، بسبب فساد إداري، أو ترد فكري، أو تجاوز عقابي، فالمثقف رمز حضاري لأي أمة، لكنه ليس المخلّص الأوحد، والمنقذ الفرد، الذي يجب أن نلقي في رحابه كل متاعبنا وهمومنا، باعتباره (حصان طروادة) إلا أن التوازن مطلب هام وملح، فلا ينبغي الإغراق في الشأن العام لدرجة التخلي عن مهمة أصلية، ولا يحبذ التجافي والانحياز نحو الأبراج العاجية المدهونة من ظاهرها بالرحمة والملظاة في داخلها بالعذاب.
والمثقف السعودي مرت به أزمنة طويلة، وهو بعيد عن الواجهة الحضارية لأمتيه، العربية والإسلامية، نظراً لتحولنا في المنظومة الفكرية القومية إلى دولة هامش، بصورة مغلوطة ومجافية للواقع، ما منح الكثيرين من المثقفين العرب (المتمركزين) فرصة التطاول على كل ما يمت لهذه الأرض ولإنسانها بصلة، لأننا في تصورهم كنا في الحقب الماضية لا نعدو أكثر من بدو رحل لا نملك من مقومات التحضر، ما يؤهلنا للحضور والمشاركة ناهيك عن المنافسة، كما أنا في الحاضر في نظر أولئك المجحفين أثرياء لا يجعلهم يلتفتون لنا أو يهتمون بنا إلا(برميل النفط)ونحن في كل الأحوال مهما بلغنا من مرتبة أو رتبة متزمتين، ومتطرفين وصناع إرهاب.
ومن الإنصاف أن نعترف لكل ذي فضل بفضله، وبالطبع لا يسوغ لنا بحال أن نخفي دور إخوتنا العرب، وأصدقائنا الغرب في كافة مجالات حياتنا، وبناء تنميتنا، ولا نقبل من أنفسنا التنكر لإسهاماتهم الفكرية، والتربوية، والثقافية، والتنموية عبر عقود، شاركوا فيها بقوة في صناعة الإنسان السعودي، وأبرزوا مواهبه، ومكنوه من وضع قدمه على أول الطريق، لن نجحد كل ذلك فالجحود من اللؤم، إلا أنه من الطبيعي أن يكبر الصغير، وينمو المتواضع، ويتقدم المتأخر فتلك هي طبائع الأمور.
ولكن بعد أن مر بنا مائة عام هل زالت صورة المبدع في مجتمعنا معدومة أو متلاشية؟ ومتى خلا موضع من وطننا السعودي من صوت حر؟ وكيف نمرر اتهام الآخرين لنا بالتبعية والمحاكاة مدعوماً بالقبول؟ وللإجابة على هذه التساؤلات وغيرها، ينبغي العودة إلى ما بعد توحيد المملكة، وخصوصاً في الفترة المتزامنة مع ما يسمى بعصر النهضة، فقد برزت أسماء رواد سعوديين يصعب على التاريخ تجاهلهم، ويحرم على الأجيال (أدبياً) تناسيهم أو إهمال ما تركوه من تراث حفي بكل إكبار، وما حمزة شحاتة، ومحمد حسن عواد، وأحمد السباعي، وأحمد عطار، وغيرهم كثر إلا شواهد على حضور المثقف السعودي، المنسجم مع ذاته، والمتوافق مع ما حوله من حراك أدبي وفكري، إلا أن جهودهم ستظل جهوداً فردية في ساحة كانت لا تزال تتثاءب.
وكل من يرصد الحراك الثقافي السعودي، سيجد تلازماً بين النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي، والعطاء الفكري والأدبي، الذي تمر به بلادنا، وإذا كنا تقبلنا في زمن مضى نموذج المبدع الفردي المأسور في حلمه، المتشح ببارقة إطلالة، تنبئ بحلول موسم مختلف، ومبهج بانتشال المبدع من مرارة القلق، وبؤس الوحدة، التي خلفتها ارتكاسات مشاريع القومية، والقطرية، ومن بعدها الصحوية، وحمله إلى أفق أرحب وأوسع، فإنا لن نقبل اليوم بهذا الضعف الاضطراري، والمرحلي الذي كان مفروضاً علينا ولم نختره بإرادتنا، وذلك لتوفر الشروط التاريخية التي ستجعل من الأدب والفكر الوطني واجهة ، متجاوزة ومنافسة، برغم إشفاق المحبين، وسخرية المخذلين.
إن مرحلة الثمانينات كانت زخمة بالوعود التي حملتها رياح التغيير، إلا أن بقع الكآبة كانت تحتل الحيز الأكبر من صفحة الأيام الحالمة، باعتبار أن كل مشروع حضاري هو مشروع مسيس في الأصل، والسياسة ما دخلت في شأن إلا أفسدته، وليس أدل على ذلك من حصاد النكبة، الذي تجرع الوطن مرارته عدة مرات، على أيد نعمت بخير البلاد، وعضت الكف التي امتدت لها بالخير، طامحة إلحاق أكبر قدر من الضرر، وأنى لها ذلك.
ويرجع الكثير من الخبراء أزمتنا الأمنية التي تعرضت لها بلادنا، إلى تسيد الصوت الواحد، وتفخيخ الأدمغة بثقافة الموت، وحشد الجهود للثورة على الوطن، وها نحن ندفع ثمن ما اشتريناه من سؤ التقدير، وسذاجة التدبير .
وعبرت بنا السنين، أو عبرنا بها وتداخلت الأجيال في بعضها، وغدا أغلب المتوافرين على الساحة من المخضرمين، وبدأت الثقافة تستعيد زهوها، بتولي خادم الحرمين الملك عبد الله بن عبد العزيز مقاليد الحكم في السعودية، فالرجل القيادي ثري بما اختزنته ذاكرته من خبرة معرفية، ودراية بالأمور، فأعطى الثقافة حقها في أن تصبح لها وزارة مستقلة، ومنح وزيرها الصلاحية اللازمة، للدخول في مرحلة التداوي من آثار الماضي، ووفر الإمكانات المادية والبشرية التي سترسم لأجيالنا المقبلة أبهج التحولات الثقافية والفكرية التي نحققها ونؤصل لها عبر نتاج طبيعي، لمنظومة الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي نعيشه ونعايشه والذي توسعت من خلاله مساحة الحرية، وأمكن لنا أن نعرف بعضنا عن قرب، وقبلنا بالتعددية، بعد أن أرسى خادم الحرمين أهم ركائز المجتمع المتعدد من خلال منهجية الحوار، التي اعتمدها، وأطلق عليها اسم المؤسس الملك عبد العزيز لتتلاقى الأبعاد السياسية والفكرية بالتاريخ وتستلهم نعمة الوحدة التي يجب أن نعض عليها بالنواجذ، ولا ندع لسعار اختلافنا أن يوردنا التهلكة، أو التمزق.
وأحسب أن المكانة التي يوليها الملك عبد الله للمثقف السعودي لا تضاهيها أية مكانة، فمهرجان الجنادرية السنوي، تبنى تكريم شخصية أدبية ، لها بصمتها، والدولة تتكفل بعلاج المبدعين على نفقتها في أي مكان يمكن أن يتوفر فيه العلاج، والمنابر الفكرية مشرعة أبوابها أمام كل موهبة، والجوائز التقديرية، تستعيد ذاكرتها، والأندية الأدبية تعيد منهجيتها، ومنظومتها، والرقابة تتراجع بصورة كبيرة، وتتسامح مع الرأي المخالف، إذاعيا، وتلفزيونياً، وصحفياً، واللجان المسرحية، والتشكيلية، ترتب أوراقها من جديد، ومعارض الكتاب الدولية تفتح نوافذها عبر مؤسساتنا الجامعية والإدارية، وكل هذه المعطيات شواهد حية على حجم التحول الكبير نحو الأرقى والأنقى، الذي تحقق عبر 365 يوماً في حياة ملك، والذي يمكن أن نطلق عليه العصر الذهبي للثقافة السعودية.
ولا يعني هذا أن نتوقف عند هذا المنجز، فالكلمة المبدعة طموحة، وطموحها لا تحده الحدود، ولا تحجمه القيود، ومن هنا ينبغي التناغم السريع مع الانفتاح الفكري والثقافي الذي يعيشه العالم من حولنا، ووضع الضمانات الكفيلة بتوفير حياة كريمة للمثقف، وحمايته من أي ضغوط أو تجاوزات يمكن أن يتعسف البعض ويمارسها بحقه، وسيظل الحلم الكبير في طبع نتاج أدبائنا ومفكرينا في وطننا، فنحن أحق بما ننتج ونحن أهله.

د. علي بن محمد الرباعي

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved