تقاس الدول بحضاراتها ونموها وتطورها، والقيادة الحكيمة هي التي تستطيع أن تستغل موارد الدولة في إيجاد البنية التحتية السليمة التي يمكن من خلالها بناء المستقبل؛ بناء الإنسان أولا، ثم الكيان؛ كيان الدولة الفتية التي تعتمد على إرثها الديني والثقافي وتتطلع إلى المستقبل برؤى الحضارة العصرية، فتوظف إيراداتها المالية لدعم عجلة التطور والبناء من أجل رفعة المجتمع ورقي الشعوب. الاستثمار الأمثل هو الاستثمار الذي يمكن من خلاله خلق قطاعات إنتاجية متنوعة، ذات تخصصات متقدمة يمكن أن تصبح رافدا من روافد الخير والعطاء.
لم يعد البناء سهلا كما كان سابقا، فالتطور الحضاري والصناعي فرض على الدول المتقدمة العمل من أجل إيجاد منظومة اقتصادية متكاملة، ومترابطة، لا يمكن الاستغناء عن أي من مكوناتها الأساسية، مهما صغر حجمها.
المدن الاقتصادية، التقنية، والصناعية أصبحت تشكل أهم الأسس الحديثة التي يبنى عليها الاقتصاد الفتي. يمكن من خلالها تنشيط حركة الإنتاج والإدارة، وجذب الاستثمارات الأجنبية التي يمكن لها أن تنقل الخبرات العالمية إلى المجتمعات العربية. لذا أصبحت المدن الصناعية، والتقنية، والاقتصادية، أحد أهم مقومات بناء الدول المتقدمة التي تتطلع إلى حجز موقعا لها في عالم الحضارة.
فالمناطق التقنيه، تعتبر الحاضنه الشرعيه أو البيئة التي تنشأ من خلالها الصناعات التقنية المختلفه، لا يمكن أن تتحقق إستراتيجيات التنمية الصناعية دون أن تدعمها بنية تحتيه متكاملة تساعد على إنشاء الصناعات التقنيه المتقدمة وتعمل على جذب الاستثمارات الضخمة لدعم الاقتصاد الوطني. أصبحت الاستثمارات الصناعيه التقنية تبحث عن البيئة المناسبة التي يمكن من خلالها تشييد المصانع التقنيه وممارسة عملياتها الإنتاجيه بكل يسر وسهوله. لذا لم يكن مستغربا أن تكون المناطق التقنية ذات البنية التحتية المتقدمة عامل جذب للاستثمارات الأجنبيه وعامل دعم لقيام الصناعات الوطنية
لسنوات مضت، بدأت المملكة العربية السعودية، تجربة إنشاء المدن الصناعية، فأنشأت مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين، وعلى الرغم من النجاح الباهر الذي تحقق جراء إنشاء المدينتين الصناعيتين، إلا أن التجربة توقفت عند ذلك الحد ولم تطور أو تفعل من أجل إنشاء مدن صناعية وتقنية أخرى يمكن لها أن تكون رافدا من روافد الخير في مناطق المملكة، ولعل السبب يعود للأوضاع السياسية والاقتصادية التي أقحمت المنطقة خلال عقدين من الزمان في دوامة الحروب، فحرمت المنطقة بأسرها من مشاريع التنمية الضخمة على غرار مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين.
تعميم تجربة المدن الاقتصادية
لم يطل الوقت بالملك عبدالله بن عبدالعزيز، ملكا للبلاد، قبل أن يصدر أوامره الكريمة بتعميم تجربة المدن التقنية والاقتصادية والصناعية على مناطق المملكة، بهدف تنمية المناطق، وتخفيف الضغط على البنية التحتية واقتصادات المدن الرئيسة الحالية.
مدينة الملك عبدالله الاقتصادية كانت اللؤلؤة الأولى في عقد المدن الاقتصادية التي أمر بتشييدها الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وهي المدينة التي يعول عليها الاقتصاد السعودي الكثير في المستقبل المنظور.
تعتبر (مدينة الملك عبد الله الاقتصادية) من أكبر المشاريع التنموية الحديثة، بإجمالي ستثمارات تصل إلى 100 مليار ريال، ومساحة 55 مليون متر مربع، وتقع على ساحل البحر الأحمر بطول 35 كيلومترا بالقرب من مدينة رابغ الصناعية وعلى بعد ساعة من مدينة جدة.
يضم المشروع 6 مناطق رئيسية هي ميناء بحري عالمي، ومنطقة صناعية، ومنتجعات شاطئية، وجزيرة مالية، و3 أحياء سكنية، ومدينة تعليمية. ومن المتوقع أن توفر (مدينة الملك عبد الله الاقتصادية) 500 ألف فرصة عمل جديدة. بدأ في غضون الأيام الماضية طرح 30% من المشروع للإكتتاب العام، وهي وسيلة أخرى من وسائل زيادة دخل المواطنين وربطهم باستثمارات الدولة.
أعتقد الجميع، أن مدينة الملك عبدالله الاقتصادية ربما كانت نهاية المدن الاقتصادية، نظرا لضخامتها وتنوع أفرعها الداخلية، ما يجعلها هدفا يمكن الاعتماد عليه لعشر سنوات قادمة. إلا أن زيارة الملك عبدالله لمنطقة حائل كشفت عن ملامح الإستراتيجية طويلة المدى التي بدى أن الملك عبدالله عازم على تطبيقها خلال سنوات حكمه المباركة. فقد تم الإعلان عن إنشاء ثاني مدينة اقتصادية خلال ستة أشهر فقط، والإعلان عن عزم القيادة الحكيمة تدشين خمس مدن اقتصادية في مناطق المملكة كي تواكب الطفرة الاقتصادية التي تعيشها المملكة. المدينة الجديدة سوف تعمل على تفعيل موقع السعودية الإستراتيجي كحلقة وصل بين الشرق والغرب، وسيتكفل القطاع الخاص في تمويل إنشائها بتكلفة تصل إلى 30 مليار ريال، تدفع على مدة عشر سنوات.
يمثل مشروع مدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الاقتصادية نقلة نوعية للاقتصاد السعودي، على أساس أن الاستفادة من المشروع ستنعكس إيجاباً على قطاعات الاقتصاد المختلفة، خصوصا قطاع الصناعات التحويلية، والتعليم والإسكان، والزراعة والتعدين. وستوفر المدينة الجديدة قرابة 30 ألف فرصة عمل لأبناء وبنات المنطقة ما يسهم في تطوير المنطقة اقتصاديا واجتماعيا. من أهم أفرع المشروع، المطار الدولي والجامعات ومراكز البحث العلمي وهو ما يثبت الاهتمام الكبير في بناء الإنسان واعتباره المحور الأهم في مشاريع التنمية.
المدينة المنورة، كان لها نصيب من المدن المتخصصة التي بدأ في نشرها الملك عبدالله في مناطق المملكة، من خلال مشروع (مدينة المعرفة الاقتصادية: مؤسسة الملك عبد الله لوالديه) وهي أول مدينة من نوعها قائمة على الصناعات المعرفية في المملكة، وثالث مدينة اقتصادية ضمن إستراتيجية الاستثمار الجديدة، لتكون رافداً لدعم أعمال المؤسسة الخيرية، وصرحا وطنياً وعالمياًً للتنمية الاقتصادية، ورافدا من روافد الخير الداعمة للمؤسسة الخيرية.
تبلغ مساحة المدينة المعرفية الإجمالية 4.8 ملايين متر مربع، وتصل المساحات المبنية فيها إلى 9 ملايين متر مربع، ويبلغ حجم الاستثمار فيها 25 مليار ريال، وتشمل 250 ألف مترٍ مربع من المساحات المكتبية، و4 آلاف محل تجاري، و30 ألفَ وحدةٍ سكنية، ومن المتوقع أن توفر عشرين ألف فرصة عمل جديدة.
وتشتمل مدينة المعرفة الاقتصادية على: مجمع طيبة للتقنية والاقتصاد المعرفي، ومعهدا للدراسات التقنية المتطورة، ومُتحفا تفاعليا للسيرة النبوية، ومركز دراسات الحضارة الإسلامية، كما تشمل مجمعا للدراسات الطبية والعلوم الحيوية، ومراكز تجارية، ومنطقة سكنية صممت لتستوعب ما يقارب 200 ألف نسمة.
ثلاث مدن متخصصة تمثل اللبنة الأولى في إستراتيجية تنمية المناطق التي أرسى قواعدها الملك عبدالله بن عبدالعزيز وبدأ في تنفيذها خلال عام واحد هو عام البناء والرخاء.
إستراتيجية البناء
في فترة وجيزة، لم تتجاوز العام الواحد، أرسى الملك عبدالله بن عبدالعزيز قواعد المدن التقنية والاقتصادية، موزعة على مناطق المملكة، كإستراتيجية جديدة تضمن التوزيع العادل للثروة، والتنمية، ودعم المناطق التي لم تستفد من الطفرات الاقتصادية الماضية. أسلوب إداري متقدم سيحقق للبلاد والعباد الخير الكثير بإذنه تعالى.
يمكن أن نستشف التغير الكبير في إستراتيجية البناء من خلال كلمة الملك عبدالله بن عبدالعزيز التي ألقيت، نيابة عنه، في حفل تدشين (مركز الملك عبدالله المالي) حين أشار إلى أن إنشاء مركز الملك عبدالله المالي يأتي في ظل استمرار مراجعة هيكل القطاع وأطره التنظيمية من أجل التطوير المستمر المتوافق مع حاجات الاقتصاد المحلي وتعزيزا لقدراته التنافسية إقليميا ودوليا والاستمرار كذلك في تشجيع القطاع الخاص لزيادة إسهامه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال تطوير شراكة فاعلة بين القطاعين الحكومي والخاص، واستكمال الأطر التنظيمية والرقابية اللازمة؛ لذلك لم يكن هذا التوضيح البليغ مقتصرا على القطاع المالي فحسب، بل يمكن له أن يغطي جميع القطاعات الاقتصادية والتنموية في البلاد. هي منهجية جديدة أصر حفظه الله على تطبيقها، من أجل تنمية الوطن والمواطن من خلال استثمار الفوائض المالية، والعمل على دفع عجلة النمو والتطور، وبناء اقتصاد قوي يمكن له أن يعيش بمعزل عن هيمنة الموارد النفطية.
استثمار الفوائض المالية
في التنمية
يمكن أن ننظر للمدن المتخصصة التي أمر بإنشائها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، من زاوية أخرى وهي زاوية إعادة استثمار الفوائض المالية في تنمية المناطق من أجل تحقيق رفاهية المواطن وخلق بيئة اقتصادية داعمة يمكن من خلالها تنويع مصادر الدخل وتحقيق الرفاهية للمواطنين.
الاستثمار في مشاريع التنمية يمكن أن يحقق فوائد متعددة للاقتصاد وللمجتمع السعوديين. فالفوائض المالية قد لا تتوفر في الأعوام القادمة، لذا كان من الحكمة استثمارها في مشاريع إنتاجية وتنموية يمكن لها أن تشكل رافدا من روافد الدخل القوي.
حرص الملك عبدالله بن عبدالعزيز على استخدام جزء من عوائد النفط لدفع عملية التنمية الاقتصادية من أجل رفعة الوطن والمواطن، وهو ما أوضحه بجلاء في زيارته الكريمة لمنطقة حائل حين قال: إن الدولة حرصت على تخصيص جزء كبير من فائض الميزانية للمشاريع التنموية في المناطق التي لم تنل نصيبها الكامل من خيرات التنمية. إنه العدل في تخصيص المشاريع وبناء المستقبل وتوزيع الثروة على المواطنين من خلال مشاريع الخير والنماء. سياسة حكيمة طبقت في غضون عام واحد، هو العام الأول لتولي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، لكنها قطعا ستكون الوقود المحرك لعقود قادمة من التطور والرخاء، وستبقى بإذن الله منارة خير وعطاء تخلد اسم من أمر ببنائها على مر الأزمان.
|