Saturday 22nd July,200612350العددالسبت 26 ,جمادى الثانية 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

يارا يارا
في السياسة لا وجود للفراغ
عبدالله بن بخيت

نواجه في المنطقة ثلاث حروب لا حرباً واحدة، الحرب في العراق والحرب في فلسطين والآن الحرب في لبنان. تعودنا على الحربين الأوليين حتى أصبحتا جزءاً من حياتنا اليومية وأصبحت أخبارهما باردة برودة أخبار الطقس. وإذا طالت الثالثة فسوف نتعود عليها. الشيء البارز في الحروب الثلاث أنها تقع على خط واحد وتدور على أراض عربية دون أن يكون لأهل الأرض أو البلد يد في بدئها أو إنهائها. كما أن القانون الدولي والأمم المتحدة لا تأثير لها فيها.
حدد البيان السعودي فور اندلاع الحرب على لبنان طبيعة اللاعبين دون أن يسميهم بالاسم. هذه هي المرة الأولى التي تطلق دولة عربية بياناً مخالفاً للبيانات المعلبة التي تقال في كل مرة تكون إسرائيل طرفاً فيها. لم يخف البيان السعودي خطورة إسرائيل وطبيعتها العدوانية ولكنه في الوقت نفسه لم يسمح لموقف المملكة الطبيعي من القضية الفلسطينية أن يتحول إلى ورقة في أيدي اللاعبين الجدد. موقف المملكة من قضية فلسطين موقف مبدئي ولكنه ليس مبذولاً للمزايدة والأطماع.
الحرب في لبنان تدور بين الولايات المتحدة وإيران كما هي الحرب في جزئها الأكبر في العراق ولا يستبعد المراقب حضور إيران في الحرب الدائرة في غزة. كيف وصلت إيران إلى هذه المكانة في المنطقة لتصبح اللاعب الإقليمي الأوحد.
في السبعينيات من القرن الماضي تولى الرئيس أنور السادات السلطة في مصر بعد وفاة جمال عبد الناصر، وأعلن فور توليه قيام ما سماه في حينها (دولة العلم والإيمان). ضرب ما سمي بمراكز القوى (زملاءه في الحكم أثناء حكم عبدالناصر)، ثم طرد الخبراء السوفييت ليعلن دون تردد أن تسعاً وتسعين في المائة من أوراق اللعبة في يد أمريكا، وليؤكد ذلك أخذ يظهر على الملأ مصحوباً بكلاب أنيقة وفي فمه غليون فاخر ويردد بإنجليزية رديئة أنه يتفرج ليلياً على أفلام الغرب الأمريكي. وفي الوقت نفسه كان يهدد بالحرب. وبالفعل انقض الجنود المصريون على خط بارليف الحصين وأزالوه بضربة واحدة ليقفز الجندي المصري إلى الضفة الشرقية من القناة ببطولة غير مسبوقة. ظن الجميع أن هذه الحرب هي حرب تحرير بعد أن أخذت إسرائيل تترنح أمام تقدم الجيش المصري. فجأة توقفت الحرب وأعلن السادات نفسه بأنه لا يستطيع أن يحارب أمريكا، فتوقف الجيش المصري على الضفة الشرقية من قناة السويس لنفاجأ بأن الجيش الإسرائيلي كان قد تسلل إلى الضفة الغربية من القناة فتعادلت كفتا الجيشين ودخلا في مفاوضات سميت حينها بمفاوضات الكيلو مائة وواحد.
كانت المرة الأولى التي يدخل فيها العرب في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. فامتدت هذه المفاوضات وطالت إلى أن انتهت بما سمي بمفاوضات كامب ديفيد التي وقع فيها السادات وثيقة الصلح النهائي مع إسرائيل. فاستعادت مصر سيناء بسيادة منقوصة في مقابل تحييد مصر وإخراجها نهائياً من الصراع في الشرق الأوسط.
مع بداية الثمانينيات وصل رجل دين صلب إلى السلطة في إيران بعد ثورة عارمة في الشارع الإيراني ليعلن قيام الجمهورية الإسلامية بديلاً لمملكة آل بهلوي، فعمت الفوضى وسرح معظم ضباط الجيش الإيراني المحترفين. فشعر صدام حسين أن الوقت قد حان ليتوج نفسه بديلاً عن جمال عبدالناصر والعراق بديلاً عن مصر في زعامة المنطقة. فراغ كبير يجب أن يملأه. فانقض صدام حسين على إيران ضارباً بالمعاهدة التي وقعها بنفسه في الجزائر عرض الحائط. ولكن ما كان يأمل أن يكون حرباً خاطفة تتوجه الزعيم الأوحد وتتوج العراق بديلاً لمصر تعسر فاستمرت الحرب سبع سنين استنزفت موارد العراق وموارد جيرانها. وعندما عجز عن تحقيق أي من أهدافه من تلك الحرب رأى أن أفضل جائزة يستحقها هي الكويت بنفطها وبأهلها فانقض عليها في ليلة ليلاء بحسابات خاطئة وبجيش أنهكته الحرب ليجد نفسه في حرب جديدة مع حلفائه الذين أنقذوا سلطانه ومع الدول الكبرى. فمني كما هو متوقع بهزيمة ساحقة أخرجته من الصراع في المنطقة نهائياً ليتحول العراق من لاعب أساسي في المنطقة إلى كرة تنتظر التسديد. عاش بعدها العراق ينتظر مصيره الذي قررته الولايات المتحدة مع توقيع وقف إطلاق النار حيث قلصت هذه الاتفاقية حدود سلطة بغداد على العراق سواء على موارد البلاد أو على جغرافيته حتى إذا جاء عام 2003م انقض الجيش الأمريكي ليستكمل ما تبقى من حرب تحرير الكويت. وفي نشوة النصر الأمريكي على صدام حسين وجيشه المتهالك تناست الدولة العظمى أن العراق مجموعة من التناقضات (كما هي حال دول المنطقة) لا يمكن السيطرة عليه فغرقت في الوحل، وكانت إيران لا دولة عربية لهم بالمرصاد، فانفتحت البوابة الشرقية كما سماه صدام حسين للنفوذ الإيراني. ولكن السياسي الأمريكي لم يتعلم من الدرس في العراق فراح يعمل على عزل سوريا والأمم المتحدة مضاعفاً في الوقت نفسه من نفوذ إسرائيل، ولم تنس القوى الإسلامية المتنوعة شعار السادات الشهير (دولة العلم والإيمان) فبدأت تتشكل وتنتظم، فنضجت بسرعة أعداد من المنظمات الدينية الدموية التي راح ضحيتها السادات نفسه. تمددت هذه المنظمات واستطاعت حتى أصبحت عالمية النظرة. في النهاية انقض ابن لادن وأعوانه على رمز الرأسمالية العالمية في نيويورك لتعلن القوى الكبرى في العالم أن أي منظمة غير حكومية مهما كانت أهدافها هي منظمة إرهابية يجب محاربتها. كان هذا ما تنتظره إسرائيل بفارغ الصبر فتولت الشعب الفلسطيني الأعزل بآلتها الحربية الرهيبة وأمام المرارة من حرب أمريكية غير مبررة على العراق واطلاق يد إسرائيل في الشعب الفلسطيني وتحول اللاعب العربي الأساسي إلى متفرج بامتياز ومع تصاعد المرارة التي تسقيها إسرائيل العرب والمسلمين يومياً مدت إيران بسهولة نفوذها على امتداد الهلال الخصيب لتصبح اللاعب الأساسي البديل في القضية الفلسطينية.
لا فراغ في السياسة فما تتركه يملأه غيرك.

فاكس: 4702164

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved