Saturday 29th July,200612357العددالسبت 4 ,رجب 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الاقتصادية"

إصلاح التعليم من منظور اقتصادي إصلاح التعليم من منظور اقتصادي
تخصصات العلوم النظرية تسببت في تراكم الخريجين العاطلين
د. توفيق عبدالعزيز السويلم *

كثر الحديث في وسائل الإعلام وفي اللقاءات العلمية وبين الأكاديميين عن ضرورة الإصلاح الجامعي، حيث تعم الآن موجة الإصلاح الجامعي الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كلها في أنحاء العالم، وهناك تغيرات كثيرة مرت خلال الثلاثين سنة الماضية تفرض ضرورة تعديل وتحديث وتطوير كثير من مرافقنا العلمية والثقافية، ولكن الوضع الحالي في الجامعات السعودية يدار بعقلية الثلاثين سنة الماضية وما زالت بنودها كما هي، فمازال بند المفاضلة في البنود يسير بالطريقة السابقة نفسها دون تطوير أو تحديث.
إن هناك قصوراً واضحاً في صلاحيات مسؤولي الجامعات، وهناك حاجة ماسة لتحديث الأساليب الإدارية وإعطاء صلاحيات كبيرة لمسؤولي الجامعات ومنهم رؤساء الجامعات، بحيث تدار بعقلية أكثر تجارية من الأسلوب الذي يمارس حالياً، وفي هذا الإطار تشير جريدة الرياض في زاوية كلمة الرياض في عددها الصادر بتاريخ 12 مايو 2005م تحت عنوان: (الجامعات.. وحالة الإعاقة الدائمة!!)، فالاتجاه إلى تحرير الجامعات من الدورة الإدارية الطويلة في التوظيف والمصروفات واعتمادات البحوث، والبعثات الخارجية وجعل صلاحياتها غير مربوطة بوزارة التعليم العالي التي تخلّصت منها أكثر الدول بما فيها العربية بإلغائها، وكذلك العمل على تخصيصها أسوة بجامعات العالم، ووضع لوائح ونُظم متطورة تواكب حاجة السوق بدلاً من تراكم الخريجين العاطلين بسبب تخصصاتهم في العلوم النظرية التي لا يحتاجها السوق، كل هذا وغيره ربما يحرك الركود القائم، والتقليدية المستمرة، ولعل ندرة الجامعات التخصصية التي تماثل جامعة الملك فهد للبترول والمعادن التي لم تصبح على قائمة المشروعات المطروحة، بسبب أن التعليم العالي لا يملك الكوادر التي تخطط للمراحل القادمة، وتقوّم الظروف الحالية، ثم إن ازدواجية العمل في مراكز يجب أن تكون القدوة في إدارتها وعلاقتها أصبح قيداً طويلاً، وتقليداً راسخاً.. إصلاح التعليم الجامعي ليس مهمة سهلة طالما تُعامل الجامعات وكأنها مدارس عامة ما أدى إلى انعكاسات سلبية بدليل أن لدينا التعدين، والمياه، والصحراء، وزراعة النخيل، وهي مواد للتحليل والدراسة، لا نجد البحوث التي قدمت شيئاً ملموساً قابلاً للتطبيق، والعلّة ليست في ضعف الكفاءات، وإنما في العجز الإداري الذي تحول إلى إعاقة دائمة في أهم مراكزنا التربوية والتعليمية.
إننا نمتلك - والحمد لله - البنى التحتية الممتازة في جامعاتنا من مبانٍ وتجهيزات وشبكات اتصال متطورة، ولكن هل يتم استغلال تلك الإمكانات لتطوير المنتج التعليمي الجامعي؟! وأعتقد أن من المهم أن يحظى البحث العلمي التطبيقي بمزيد من الاهتمام، وكذلك تفعيل المشاركة مع القطاع الخاص لتكون الجامعة مصدر إبداع للأفكار القابلة للتحويل إلى منتجات تخدم المجتمع وتسهم في تحسين معيشته وتيسيرها.
لا أحد ينكر دور الجامعات في نهضة المجتمع بما تخرجه من كوارد متميزة للعمل في قطاعات ومرافق الدولة، كما أن معظم منشآت القطاع الخاص تسيرها أيدٍ مؤهلة تخرجت من هذه الجامعات الوطنية، ولا شك أن الجامعات تقوم بتأهيل أعضاء هيئة التدريس تأهيلاً متميزاً عن طريق ابتعاثهم للدراسة في جامعات مرموقة ثم رعايتهم بعد العودة ومنحهم فرص التطوير والمتابعة والإبداع ليحصلوا على الدرجات العلمية العالية في سلم التعليم والبحث الأكاديمي، ولكن السؤال المطروح: هل استفدنا من الأحداث العديدة في الواقع العملي المعاش؟ هل سعت الجامعة لربط هذه الأبحاث بما يحدث في الواقع من تغير وتطور لتسهم في تحقيق النهضة؟!
إن هناك عدداً من المشكلات والمعوقات التي تواجه العملية التعليمية في جامعاتنا لزيادة عدد الطلاب، فكلما زاد عدد الطلاب وقل عدد المدرسين أدى ذلك إلى تأثر مخرجات العملية التعليمية سلباً بذلك والعكس صحيح، فكلما زاد عدد الأساتذة نسبة إلى عدد الطلاب، فإنه يسهم في تحسين العملية التعليمية، وهذا - بلا شك - يمكّن الأستاذ من إتاحة الفرصة للطالب ليستفيد من علاقته به، كما يتيح الفرصة للأستاذ ليخصص وقتاً كافياً لأبحاثه ولمتابعاته العلمية.
والراصد للتحديات الاقتصادية والاجتماعية الحادثة يجد أن نظام التعليم العالي بالمملكة يواجه نوعين من التحديات: نوعاً ينشأ عن زيادة الطلب الاجتماعي على التعليم العالي، ونوعاً ينشأ عن زيادة الطلب في سوق العمل على الكفاءات المهنية عالية الجودة. ويتضمن النوع الأول من التحديات احتمال عدم قدرة نظام التعليم العالي على تلبية الطلب الناجم عن ازدياد أعداد خريجي المرحلة الثانوية، الأمر الذي يحتم دخول القطاع الخاص بفاعلية أكبر في قطاع التعليم الجامعي أسوة بما يوجد في كثير من دول العالم، إذ تزيد نسبة مؤسسات التعليم العالي التابعة للقطاع الخاص في كثير من الدول عن 50% من جملة مؤسسات التعليم العالي.
ومن أجل تنمية الموارد البشرية هناك بعض الوسائل الأساسية من الضروري الاهتمام بها بما يتناسب مع البرامج الحديثة لتنمية هذه الموارد:
1- تعويد الشباب على الابتكار والبعد عن النمطية والروتين لأنهما قاتلان للقدرات والتفكير الصحيح في خضم العولمة الاقتصادية التي بحاجة إلى تفكير سريع وقدرة على منافسة غيرهم.
2- التعليم والتدريب المستمر والاهتمام بهما لتنشئة أجيال جديدة قادرة على التعامل مع المتغيرات العالمية، فعلى الرغم من أن التدريب مكلف لكن الجهل أكلف.
3- البحث العلمي والاهتمام بالأبحاث وتطبيقها في الواقع والإنفاق على هذه البحوث وتنمية الروح الإنتاجية والبعد عن الطابع الاستهلاكي من خلال وسائل الإعلام المختلفة لتفعيل هذا المبدأ.
4- جلب التقنية الحديثة وتدريب الشباب على التعامل معها ومع متغيراتها.
5- ربط برامج التعليم بمتطلبات سوق العمل حتى لا يتولد عن عدم وجود مثل هذا الربط والتنسيق بطالة يترتب عليها آثار سلبية سواء كانت سلوكية واجتماعية واقتصادية.
إن الراصد لواقع التعليم في المملكة يجد أنه شهد تطوراً واضحاً على الأصعدة التربوية والتدريبية والتأهيلية كلها من الناحية الكمية، ولقد تزامن هذا التطور مع بروز عدة تطورات هائلة تميز العصر الحديث؛ تمثلت تلك التطورات فيما يسمى بالتغيرات الثلاثة وهي التوسع السكاني السريع وما ينجم عنه من ضرورة توفير التعليم والتأهيل والتدريب وإيجاد فرص عمل، وتوسع المطامح والآمال لدى المجتمع السعودي وتطلعاته لبناء مستقبل أفضل، والتوسع المعرفي بمعياريه الكمي والنوعي لدى السعوديين.
لذا من المهم التركيز على أن تكون مخرجات التعليم ملبية لمتطلبات سوق العمل الذي يحتاج إلى العمالة الفنية المتخصصة الدقيقة، ولن يتأتى ذلك إلا إذا كان خريجونا مؤهلين تأهيلاً عالياً يستطيع كل خريج منهم الدخول إلى سوق العمل ويكون قادراً على منافسة الأيدي العاملة الأجنبية الماهرة ليتحقق حلم الوطن؛ وهو أن يكون بناء الوطن وتحقيق نهضة تنموية كبيرة فيه قائماً على سواعد أبنائه.
* مستشار اقتصادي ومدير دار الخليج للبحوث والاستشارات الاقتصادية

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved