لو سألتني ماهي آفتنا وأين مكمن الداء عندنا لقلت بلا تردد: إنها هذه الشكلية والمظهرية التي تتبدى فكراً وتنعكس سلوكاً.
إذ يستطيع كل ذي عينين أن يرى ذلك واضحاً لا يحتاج رصده إلى كثير تفكير أو طويل تأمل وتعمق.
والشكلية ليس لها وجه واحد، وإنما تلبس ألف قناع، فهي تعبر عن ثقافة، هي الثقافة المظهرية الشكلية، لذا فهي لاتكتفي بالتجلي والتمظهر في مجال دون آخر، وإنما تمتد آثارها في كل الاتجاهات وتشمل كل المجالات.
في الاقتصاد والاجتماع والسلوك، في العادات والعلاقات الاجتماعية، كما في التربية والتعليم فهي التي تحدد نوع ومستوى الفكر، مثلما تحدد أنماط ودرجات الانفعال والسلوك، وتتدخل الثقافة أو العقلية الشكلية والمظهرية حتى في فهم النظم والقوانين والتعامل معها، وطرق استخدامها وتوظيفها، وبل وكيفية إدارة المؤسسات صغرت أم كبرت، وتستطيع أن ترصد سطوة هذه العقلية الشكلانية أو المظهرية في أصغر تجلياتها، حينما يزمع أحدهم شراء سيارة مثلاً، فتلاحظ أنه لا يسأل عن خواصها الميكانيكية، ولا يتفحص ماكينتها، ولا يلقي بالاً لنوعية خام جسمها وكم عمره الافتراضي، إنه لايهتم بما هو جوهري في السيارة حتى يتأكد من مدى صلاحيتها الحقيقية، مثل كم تستهلك من الوقود والزيوت والماء وما إلى ذلك.
إنه يتجه مباشرة عوضاً عن ذلك إلى (جس) أطرافها الخارجية الظاهرة من إكسسوارات جمالية خارجية، ومثل الأطفال يتحسسها بفضول وفرح طفولي وكأنها لعبة يبحث عما هو مشوق و(جميل) فيها، بل إن الصورة كثيراً ما كانت تبدو لي كما لو أنه مشترٍ في حراج للأغنام يتحسسها ظاهرياً وخارجياً، بغرض الشراء، إنه يكتفي بمجرد هذا الجس والتلمس الظاهري الخارجي، في حين أن الأمر يرتبط بمركبة تسير في الطرقات ولأكثر من (كذا عام )، وقد يؤدي أي تهاون، أو أي خفة في فحصها إلى هلاكك ومن معك).
حسناً
إن دائرة الآثار السلبية لمثل هذا الفهم للأمور تبدو أبلغ ضرراً حين تمتد إلى سياستنا التربوية، فكثيرون منا يعتقدون أن غاية مهامهم في تربية أبنائهم تنتهي بتأمين الاحتياجات والكماليات الضرورية، بل والترفيهية غير الضرورية لمن يعولون.
شيء ما من الجهل والغفلة يجعلهم يشعرون بالرضا عن أنفسهم، وبأنهم قاموا بدورهم كاملاً، حين يوفرون للزوجة كل ما ترغب فيه من ذهب وحلي وملابس وسيارة وجيش من الخدم والحشم والسائقين، وكل مايرغب فيه الأولاد والبنات من ملابس، وسيولة تتدفق بين أيديهم بغير حساب، وسيارات - حتى لمن لم يبلغ نصاب الرشد - وأجهزة اتصالات ومعلومات، دون تسليحهم بالوعي اللازم لكيفية التعامل مع هذه الأشياء الخطرة.
وما هي النتيجة في النهاية ؟ لا أحد يسأل نفسه مثل هذا السؤال.. فقد فعل ماعليه.. أو هكذا يظن نفسه، ليتفاجأ بعد قليل بأنه ارتكب أكبر جريمة في حق من يحبهم، لقد جنى عليهم نتيجة هذا الفهم الغبي المهلك، وهو يظن بأنه كان يقدم لهم خير مايمكن أن يقدمه.
وبالطبع تستطيع أن تتصاعد مع هذا العقل إلى أبعد من ذلك، أي إلى ماهو عام، حين ترى كيف تتم شخصنة السلطة الإدارية التي هي ممنوحة كصلاحيات للمنصب الوظيفي وليس له هو شخصياً، فتجده يحول المؤسسة التي يديرها إلى أملاكه الشخصية، ليوظفها وفق هواه الشخصي، ويقوم بتعطيل النظم والقوانين ليفعل في المقابل أهواءه وميوله الشخصية، والمعيار الذي يعتمده في ذلك هو مزاجه الخاص.
نتيجة لهذا المنهج الشخصي تختل الموازين، ليصعد من لا يستحق درجات عليا، ويهبط من يستحق وفق معيار الكفاءة إلى الدرك الأسفل، فتضيع حقوق العباد ويستشري الظلم ويغيب ميزان العدل تماماً، فتصبح الوظيفة التي هي بالأساس مسؤولية وتكاليف، وجاهة اجتماعية وعنواناً على البرستيج الاجتماعي وتؤول إلى مناصب شرفية لأتقدم، بقدر ماتؤخر، عمل المؤسسة وتعطيل آلياتها.
وحين تصبح المسؤولية مجرد واجهة اجتماعية يكتفي المسؤول منها بالجوانب الشكلية فتراه يولي كل اهتمامه لتأثيث مكتبه، وإحاطته بجيش جرار من السكرتارية الأنيقة، ويكتفي (بالبيشت) الفاخر الذي يعكس أهميته الشكلية وبالسيارة المظللة التي تحجب الخلق عنه، في وقت فيه تعاني مرافق المؤسسة من البؤس المدقع شيء من ذلك عكسته زيارة وفد من خبراء التعليم العام في اليابان إلى المملكة.
حيث بذل مندوبو إحدى المدارس النموذجية جهداً مقدراً لإطلاع الإخوة اليابانيين بما وصلنا إليه من رقي في مؤسساتنا التعليمية من حيث التأثيث - طبعاً الخاصة بالإدارة العليا - إلا أن هؤلاء الأجانب - بارك الله فيهم - طلبوا أن يزوروا الأماكن العامة للطلاب دورات المياه أعزكم الله.
وأدعوك أن تتخيل الانطباع الذي خرجوا به. حسناً - دع هذا جانباً لأزيدك من البيت قصيدا، أو من القصيد بيتاً وفد غربي، يضم أيضاً خبراء في التعليم العالي أراد أن يقف على ما وصل إليه التعليم العالي عندنا.
قادته العقلية الشكلية عندنا إلى المباني الضخمة الفارهة، وإلى ملاعبنا الجامعية الفارهة العظيمة، إلا أن زوارنا أعرضوا عن كل ذلك قائلين، نحن لم نأت لنشاهد ما عندنا من مبان إسمنتية، ولكن نريد أن نطلع على تجربتكم الخاصة واستراتيجيتكم في التعليم العالي ليتم مناقشتها.
وبالطبع أسقط في يد أصحابنا الذين صور لهم العقل الشكلي بأن تطور ورقي التعليم لايتحقق إلا عن طريق هذه المباني الأسمنتية التي تشاد بأبهظ الأسعار. على حساب العملية التعليمية، ولعل أسوأ وأفدح آثار الشكلية تكون عندما تنعكس في فهمنا وسلوكنا الديني الإسلامي، فهنا تبلغ المأساة ذروتها، فالدين، والإسلام بوجه خاص - طالما أن أهل هذه البلاد قد من الله عليهم بنعمة الإسلام إلا أن الإسلام في نظر الكثيرين -إلا من رحم ربي - اختزل في شكليات مظهرية لا أثر لها ولا قيمة ترجى على مستوى السلوك والفكر والوجدان، ولعل ذاكرة العديد منا لايزال يرن في مسامعها قول أبي الطيب المتنبي معايراً أهل مصر قائلاً:
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم؟ |
ولا أدري من الذي عمل جاهداً - سواء عن جهل أوقصد - لأن يشيع بين الناس قناعة مغلوطة بأن الدين والإسلام على وجه الخصوص، إنما أنزله الله على الناس مركزاً على الشكليات المظهرية، من أداء للفروض وكأنها مجرد طقوس، إلى محاكمات متطرفة وعنيدة لشكل الملبس ومقاساته للرجال والنساء، وملاحقة الناس في الطرقات والأسواق لمجرد الشك، وكأن المسلمين دون سائر خلق الله في أرضه الوحيدون المتهمون بالكفر والفسوق والزندقة والعهر.
في حين وضع رسول هذا الدين عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم قاعدة شرعية تنص بدرء الحدود ، (حتى الحدود) بالشبهات.
ونحن نفعل العكس حين نطارد الناس ونجرمهم بمجرد الشبهات، وإذا كانت النوايا - بل وحتى الأعمال -بنتائجها، فاسأل نفسك إلى أين قادتنا هذه النظرة الشكلية المظهرية في نطاق ديننا؟ تجد الإجابة واضحة في حيثيات واقعنا اليومي.
لقد أفرزت أسوأ ظاهرتين تتمثلان في نموذجين، ولا يمكن لعاقل أن يعتقد بأنهما يمثلان النموذج المثالي بل وحتى الواقعي والحقيقي للدين الإسلامي.
شريحة تمسكت وتعلقت بهذا الفهم السطحي للإسلام فكفّرت الناس، وأعلنت الحرب على الجميع، قتلاً وتدميراً، حتى استطار شرها ليشمل المجتمعات المسلمة وغير المسلمة، وشريحة آثرت السلامة فعملت على تبني هذا المفهوم الشكلي الخاطئ لتأمن شر تكفيرها، فاكتفت من الإسلام بما يفرضه عليها أولئك، لتؤدي فرائض الله، لاخشية من الله وتحرياً للحكمة البالغة من شعائر دينها، لجعل الإنسان خليقاً بأن يكون خليفة الله في أرضه سبحانه وتعالى، ولكن خوفاً من الناس، رياءً بل ونفاقاً، وبيان تفاصيل هذا باب واسع وعريض لاتسعه هذه المساحة، وإن كنا تطرقنا لشيء منه في كتب ومناسبات ومقالات أخرى.
e:dr_binsabaan@hotmail. com فاكس: (02) 6806008 |