إن حفظ النفس إحدى الضرورات التي جاءت الشرائع السماوية بتقريرها وإيجابها، وشرعت لذلك شرائع وحدوداً كثيرة.
لقد انتشر بين شباب المسلمين ظاهرة التفحيط الخطيرة بالإضافة إلى السرعة الزائدة وقطع الإشارات، وهي ثلاثة من أخطر المخالفات المرورية التي تؤدي إلى خسائر فادحة في الأنفس والممتلكات وكم هي نتائج التفحيط والاستعراضات الإجرامية؟ إنها أرقام مذهلة.. إنه إرهاب من نوع آخر نراه ونشاهده في الأسواق وعند المجمعات يستولي على الطرقات بكل سفه وغطرسة!!!... إنه أذى وعبث وإتلاف واعتداء على الآمنين وإزهاق للأرواح (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) (الأحزاب: 58) .
التفحيط.. ظاهرة مرعبة لكنها عند كثير من الشباب مجرد لعبة وهواية، نعم لعبة ولكنها لعبة الموت.. ومن الغريب والعجيب حقاً ازديادها وكثرتها في أيام الامتحان وفي زمن حصاد التحصيل العلمي!! إن هذا التزامن غاية في التناقض بين العلم والعمل!! فالطالب في ذروة التواصل مع المادة العلمية وبالمقابل في ذروة الفوضى والعبثية فمن المسؤول؟
المادة العلمية المكثفة في الجوانب الأخلاقية التي يتلقاها أبناؤنا أين تأثيرها في الانضباط والتعقل ومعرفة حقوق الغير وآداب التعامل وحق الطريق.؟
إن التفحيط شكل من أشكال إيذاء الناس غير المبرر، ودلالة على عدم الاكتراث بسلامة وممتلكات الآخرين، ومنافٍ لما جاءت به الشريعة.
وكم تختفي جرائم أخرى تحت هواية التفحيط والدوران في الأحياء؟ فمن ترويج للمخدرات والمسكرات إلى المعاكسات وقضايا إركاب الصغار وانتهاك أعراضهم إلى جرائم السرقات! فهل ينتبه لذلك المسؤولون والأولياء والمربون؟
عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي العمل أفضل؟ قال (إيمان بالله وجهاد في سبيله). قلت فأي الرقاب أفضل؟ قال (أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها)، قلت فإن لم أفعل؟ قال (تعين صانعاً أو تصنع لأخرق)، قال فإن لم أفعل؟ قال (تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك).
لقد تسامع الجميع بذلك الحادث المروع في هذه المدينة الذي ذهب ضحيته خمسة من الشباب في ريعان شبابهم - رحمهم الله - وهذه هي نتائج السرعة والتفحيط وسوء التربية والتوجيه والمتابعة!! ولسنا والله شامتين ولكننا معتبرين ومنذرين.
نسأل الله أن يجعل وفاتهم رحمة لهم وتكفيراً، ولغيرهم عبرةً وتذكيراً.
إن بعضاً من المسلمين - هداهم الله ومنّ عليهم بالهداية والتوفيق - يتساهلون في جعل السيارات بأيدي صغار أبنائهم، وكلوها إلى قوم صغار السن أو صغار في العقل والتصرف، تجده يقود السيارة بكل كبر وغطرسة، إنه من المهم أيها الأب: أن تعلم عن قيادة ابنك بعيداً عن نظرك، فلربما تختلف حاله - سرعة وتفحيطاً - إذا كان بعيداً عن نظرك وهي من قضايا ازدواجية التربية عند الشباب - هداهم الله -.
ومن تأمل حقيقة مقاصد الشريعة التي من أهمها حفظ الأبدان والأرواح، علم أن السماح لهذا الصنف بالقيادة مما يهلك الأبدان والأرواح، وإن منع الصغار عن القيادة ومن في حكمهم، حتى يصلوا إلى حالة تسمح لهم بقيادة السيارة، وبعد معرفة أنظمة المرور في البلاد، وبعد معرفة التعامل المتزن الدقيق مع هذه الآلة، يعتبر عين الحكمة والمصلحة.
أما أن تُيسر القيادة لكل من طلبها صغيراً أو متهوراً أو عاملاً لا يجيد القيادة فإن ذلك يفضي إلى هلاك الأنفس والأموال، وكم هو مؤسف حين فرط الولي أولاً في ذلك، أن يفرط ثانية حين تجده يسعى بل ربما يؤذي ويشغب للتخلص من تطبيق النظام على ابنه والبحث عن شفعاء حتى لا يبقى يوماً واحداً محجوزاً. وهو قد يبقى ليالي يؤذي نفسه والمسلمين، فما هذا التناقض وأين الرحمة والشفقة في هذا الأمر؟.
فيا عباد الله لا تهلكوا مع الهالكين وعليكم بأسباب السلامة التي هي الرفق والانتباه للطريق واليقظة الدائمة مع الاعتماد على الله، والمحافظة على الأنفس والأموال، والتزام الأدب والطمأنينة واتباع أنظمة المرور، حتى لا تكون أنت المتسبب في إزهاق نفس كانت على الوجود، ثم إذا فقدت بهذه الحوادث لزم من ذلك:
أولاً: إخراج هذا الميت من الدنيا وحرمانه من التزود بالعمل الصالح والاستغفار من العمل السيئ.
ثانياً: فقد أهله وأصحابه التمتع معه في الحياة.
ثالثاً: ترمل زوجته وتيتم أولاده إن كان ذا زوجة وعيال.
رابعاً: غرامة ديته تسلم إلى ورثته إلا إذا عفا أهله عنها.
خامساً: وجوب الكفارة حقاً لله تعالى.
فاتقوا الله أيها العباد في أنفسكم وفي إخوانكم وأموالكم، واتقوه بطاعة ولاة أمركم إذا أمروكم بما فيه صلاحكم وسببُ سلامتكم.
واعلموا أن مخالفة النظام العام ليس مخالفة لبشر فقط، ولكن مخالفة للبشر ولخالق البشر.
فاتقوا الله وتوبوا إليه.
(*) إمام وخطيب جامع الملك خالد ببريدة |