قرأت التقرير الذي نشر على صفحات الجزيرة في عدد سابق بعنوان (المصالحة بين السياحتين) والذي تناول معده أمورا مهمة تتعلق بالسياحة الداخلية في بلادنا، مما دفعني للكتابة في هذا الموضوع لأنه يهم الجميع ويجب علينا التفاعل معه.
إن السياحة لدينا لهي مجال خصب للاستثمار سواء للقطاع الحكومي أم الخاص وذلك لأننا نملك المقومات التي تساعد على النجاح التام في المجال السياحي، ولكن التخطيط السيئ المصحوب بالجشع من بعض المستثمرين أدى إلى فشل ما نطمح له، إذا ما علمنا أننا نملك أماكن سياحية على مستوى عالٍ لها القدرة على استقطاب السياح من جميع أقطار المعمورة، وعلى سبيل المثال المنطقة الجنوبية عموما لما تملكه من أجواء رائعة في فصل الصيف وكذلك المنطقة الشرقية التي تعتدل بها الأجواء في فصلي الربيع والخريف وكذلك محافظة العلا التي توجد بها مدائن صالح ذات التاريخ الأثري القديم من عهد سيدنا صالح عليه السلام، وغير ذلك من الأماكن السياحية الجيدة.
وقد ذكر في التقرير (المشار إليه في بداية المقال) أن حجم ما أنفقه السعوديون على السياحة في عام 2005م بلغ 32 مليار ريال!! ولم يكن نصيب السياحة الداخلية من هذا المبلغ الضخم سوى 6 مليارات ريال، وأنا هنا (وجهة نظر شخصية) أرى أن الرقم (6 مليارات) يعتبر جيدا وإن كان غير مرضٍ للكثيرين حيث إن تذاكر السفر إلى البلدان البعيدة جدا قد أخذت النصيب الأكبر من حجم الإنفاق الخارجي وكذلك طول مدة الإقامة، وكذلك فإن مبلغ الإنفاق الداخلي يعتبر جيدا في ظل الإهمال الواضح في الأماكن السياحية ومن أمثلة ذلك الإهمال عدم التقيد بالنظافة الجيدة وكذلك عدم تجهيز الأماكن المستهدفة وإن جهزت فإنها تتميز بالغلاء الفاحش؛ وبذلك تسبب النفور الواضح من السياح في السنوات القادمة، وكذلك عدم توفر أماكن للعزاب، وأيضا عدم توفر الخدمات العامة كدورات المياه بشكل جيد في الأماكن المذكورة وكذلك لا ننسى كثرة المتسولين في هذه المناطق السياحية.
إننا في بلد محافظ لا نسمح أن يسافر أبناؤنا وبناتنا للخارج بحجة السياحة ومن ثم اكتسابهم لصفات وعادات دخيلة على مجتمعنا ولعلنا نشاهد من ذهب بقصد السياحة وعاد بفكر شاذ أضر به البلاد والعباد، ومن ذهب أيضا وعاد وهو يحمل أمراضا جنسية معدية وسريعة الانتشار وغير ذلك من سلبيات السفر للخارج، حيث إنه بإمكاننا وبخطوات تطويرية أن نوفر لهم الجو السياحي الأمثل والأرخص مما يغنيهم عن الذهاب للخارج وهذه الخطوات التطويرية لمدننا الجميلة قد تلزمنا في بداية الأمر أن نخسر الكثير من الجهد والمال فلا بأس في ذلك إن كان مقابل حماية أبنائنا وأسرنا وعدم خروج أموالنا للخارج وبالتالي استقطابهم للسياحة الداخلية دون أدنى تفكير بالكسب المادي في بداية الأمر كما ذكرت.
ولعلي أثني على الجهود الكبيرة من قبل الهيئة العليا للسياحة التي يقودها بكل اقتدار الأمير الشاب سلطان بن سلمان، وجهودهم تلك محل تقدير وإعجاب من الجميع، ولكن من واقع متابعتي لبرامج الهيئة وجهودها واطلاعي على منشوراتها وتقاريرها التي تترجم ما عملته على أرض الواقع، أثبت لي بالدليل القاطع أن الهيئة تعمل بجد وإخلاص وأن العتب واللوم يقع على الكثير من الوزارات التي لم تتفاعل مع الهيئة لإنجاح خططها وجهودها، وعلى سبيل المثال لو أن وزارة التربية والتعليم فعلت وبشكل أوسع برنامج (ابتسم) لكان أجدى، وكذلك لو خصصت جانبا أكبر من مناهجها للتحدث عن فوائد السياحة الداخلية وما تشكله من دخل اقتصادي جيد لبلادنا وسبب قوي من أسباب المحافظة على الدين والأخلاق والقيم مما يؤصل تلك المفاهيم في أذهان أبنائنا الطلاب وكذلك آباءهم المعلمين وسبب في ثنيهم عن السفر للخارج، وكذلك التحدث عن المواقع السياحية في بلادنا وعن أجوائها صيفا وغير ذلك، وكذلك لو قامت وزارة البلديات بتكثيف حملات النظافة في المناطق السياحية وتنظيفها أولا بأول وجعلها تظهر بصورة مشرقة ومشرفة في الوقت نفسه لتعكس أخلاق وتربية مجتمعنا وديننا الذي يحث دوما على النظافة ولكي تكون بجمالها ونظافتها محل جذب للسياح، وكذلك لو قامت وزارة التجارة بتوحيد أسعار الفنادق والشقق بأسعار مناسبة وإخراج تصاريح موسمية لا يسمح لهم بمزاولة عملهم حتى يستخرجوا تلك التصاريح ووضع رقم وحد (حقيقي)!! للشكوى لمن يقوم بمخالفة ذلك، وكذلك لو قامت الخطوط السعودية بخفض أسعار التذاكر للمدن السياحية لكي تكون دافعا قويا للمواطنين للسياحة في الداخل، وكذلك لو قامت مكاتب التسول بواجبها على أكمل وجه والقبض على المتسولين الذين هم بالفعل سبب في نفور السياح وكذلك رسم صورة غير حضارية عن هذا البلد، ولا ننسى واجب وزارة النقل بضرورة سفلتة وتجهيز الطرق من وإلى المدن السياحية ومن وإلى الأماكن السياحية، ودور وزارة الصحة كبير في تكثيف مراكز الرعاية الصحية في المواقع السياحية، ولوزارة الإعلام دور كبير ببذل المزيد من الجهد لتسليط الضوء على معوقات السياحة الداخلية وإظهار جمال وروعة المدن السياحية بصفة دائمة، وغير ذلك من الوزارات التي يجب أن تتساعد مع الهيئة العليا للسياحة وتذلل جميع المعوقات التي تواجهها، وأن تعطي جميع الوزارات الضوء الأخضر لهيئة السياحة لتنفيذ ما تراه مناسبا لكي نخلق بيئة سياحية جيدة وسليمة.
وبعد أن تتعاون تلك الوزارات مع الهيئة العليا للسياحة بما ذكرت وأكثر أحب أن أطرح بعضا من المقترحات (التي ذكرت بعضا منها في وقت سابق وتشرفت بنيل خطاب شكر بعثه لي الأمير الغيور والمحب لوطنه الأمير عبد العزيز آل عياف أمين مدينة الرياض، الذي تفاعل مع ما كتبته ولعلي أجد هذه المرة التفاعل من قبل الهيئة العليا للسياحة بضرورة التنفيذ وليس الشكر لي) وهذه المقترحات لها القدرة على تطوير السياحة لدينا بشكل كبير وهي:
أولاً: تكثيف اللوحات الإرشادية في المواقع السياحية فالسائح في المنطقة الجنوبية لا يعرف سوى السودة والحبلة، فلو تم تكثيف اللوحات لزاد السياح من جهة وخف الزحام من جهة أخرى وذلك بتعدد الخيارات أمام السياح، وهذه اللوحات تكون كبيرة وبها الكروكي الذي يوضح الموقع، ويتم تأجير هذه اللوحات أثناء فترة الشتاء في المنطقة الجنوبية (على سبيل المثال).
ثانياً: عدم منح أو عدم تجديد التصاريح لأصحاب المحطات الذين استهدفوا طرق المدن السياحية حتى يتم تجهيز المصليات وكذلك دورات المياه بشكل جيد ونظيف وبمتابعة مستمرة.
ثالثاً: توفير الخدمات العامة من أماكن تموين ومصليات ودورات مياه في الأماكن السياحية وذلك من قبل الهيئة.
رابعاً: الضغط من قبل الهيئة على المستثمرين في الأماكن السياحية بضرورة تخفيض الأسعار ومثال ذلك التلفريكات في المواقع الجبلية والمتنزهات والشاليهات ومدن الألعاب في الأماكن الأخرى التي لو أخذ المستثمرون بالأماكن السياحية بقاعدة قليل دائم خير من كثير منقطع لكان أجدى.من خلال ما ذكر من تعاون من قبل الوزارات ومن خلال البعض من المقترحات سوف نجعل من بلادنا أماكن جذب سياحي متميز وسوف نضمن دخلا اقتصاديا جيدا من قبل السياحة وسوف نحمي أبناءنا وأسرنا من سلبيات السفر للخارج وسوف نحفظ أموالنا في بلادنا وعدم خروجها للبلاد الأخرى، أدام الله عز دولتنا وحفظ قادتنا إنه سميع مجيب.
خالد سليمان العطا الله / الزلفي |