Wednesday 16th August,200612375العددالاربعاء 22 ,رجب 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

دفق قلم دفق قلم
الفراشة الملوَّنة
عبد الرحمن صالح العشماوي

كانت ترسم أجمل لوحات الطبيعة وهي تطير من غصنٍ إلى غصن، كلا بل من ورقة إلى ورقة. لقد حظيت تلك الفراشة في تلك اللحظة في ذلك المكان بعناية خاصة من إحساسي؛ لأنها لحظة تأمل كنتُ فيها منعزلاً عمن حولي مرفرفاً بأجنحة خيالي في أجواء يصعب على الواصف وصفها.
فراشة ناعمة تهزُّ جناحين رقيقين تعرض من خلالهما ألواناً متناسقة. لم أملك نفسي لحظتها، فقد رفعت صوتي مردِّداً: سبحان الله! ما أبدع هذا الخلق! وما أجمل هذا التكوين!.
فراشة ملوَّنة استطاعت أن تأخذني من أجواء نفسي إلى أجواء رقتها وجمالها، مع أنها كائن ضعيف لا تملك من أمر نفسها إلا ما يساعدها على هذا الطيران الرقيق الناعم.
سألت نفسي وأنا أراقبها وأرى من حولي دنيا الناس في صخبها وضجيجها: يا ترى هل تشعر هذه الساحرة بما يدور حولها؟ هل تسمع هذا الصخب كما أسمعه؟ هل ترى لهاث الناس في هذه الحياة كما أراه؟ هل تشعر بي وأنا على مَدِّ ذراع منها؟ هل تدرك أنني أستمتع بنظري إلى هذه الألوان البديعة التي يضمُّها جناحاها المرفرفان، عفواً، أقصد (المُهَفْهِفَان)؟!
وحينما أوغلت في أسئلتي قلتُ: هل تشعر هذه الفراشة بجمالها؟ هل تعلم أنها تملك ما لا يملكه غيرها، وأنها قادرة على أن تسلب عقل مَن يحب هذا الجمال الأخاذ؟ هل تعلم أنها قد أسرتني وأجبرتني على الانشغال بها عمَّا سواها؟
سبحان الله! كم في ملكوت بديع السماوات والأرض من غرائب وعجائب المخلوقات!.
إن هذه الفراشة قوية على رغم ضعفها، قوية بما تملكه من تقاسيم الجمال وتناسق الأوان، قوية بقدرتها على إسعاد الآخرين وإثارة مشاعرهم، قوية بما أُوتيت من قدرة على امتلاك إعجاب مثلي ممَّن يغوصون في جمال الطبيعة أحياناً غوصاً يبلغون به الأعماق.
وكانت الإجابة سريعة عن أسئلتي: لو كانت هذه الفراشة تحسُّ بما لديها من عوامل الإثارة والتأثير، وتشعر بما تملك من جوانب القوة التي تختفي وراء ضعفها ورقتها ونعومتها؛ لما ألقت بنفسها في لهب النار الذي يغريها بالبريق حتى تحترق.
هنا شعرت بإيغال في فلسفة السؤال، فقلت: لماذا لا يكون اللهب عاشقاً مثلي لهذه الفراشة، فهو يجذبها إليه بوهج مشاعره، ويدخلها إلى عالمه حيث تصبح جزءاً من تكوينه، وهو بهذا يفعل ما لا نستطيع نحن البشر أن نفعل مثله؟! سؤال ربما سخرت منه الحقيقة.
الفراشة الملوَّنة ربما كانت تظن حينما رأت اللهب أنه يحمل لها السعادة، ولهذا هجمت عليه بطوعها واختيارها باحثةً عن سعادتها، فكانت النتيجة الاحتراق.
قلتُ هذا الكلام حينما شعرت بالأسى على مآل هذه الفراشة الملونة وما يشابهها من الفراشات الجميلات، إنهن ضحايا ضعفهن ورقتهن ونعومتهن.
تذكَّرت هنا تشبيه الرسول صلى الله عليه وسلم للناس بالفراش الذي يتفحَّم في النار ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصدُّهم عنها، فانصرف ذهني إلى عالم البلاغة النبوية الرائعة، وقلتُ في نفسي: ما أشبه كثيراً من المسلمين الذين يملكون ثروة دينهم العظيم، ومع هذا يلقون بأنفسهم في لهب أفكار الأعداء، بهذه الفراشة.
إشارة


إنما تفقد النفوس هداها
حينما يستخفُّها التطبيلُ

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved