امتدت حرب إسرائيل على لبنان أكثر من شهر. لا يعرف أحد بعد لماذا قامت ولماذا ألقت إسرائيل كل هذه القوة النارية على المدنيين، خطف الجنديين! لكن هذا السبب المعلن والمدوي دفن في وسط الأنقاض. لم يعد أحد يشير إليه أو يتذكره حتى القرارات السياسية التي صدرت تجنبت ذكره. وأعلن أولمرت من باب رفع العتب أنه سيعمل على استرجاع الجنديين بطرق أخرى علنية وسرية. نزع سلاح حزب الله! حتى هذا السبب لم يعد أحد يتذكره. صدرت القرارات التي صاغتها الولايات المتحدة دون أي إشارة إلى ذلك. إذاً طرد حزب الله إلى ما وراء الليطاني! بدأت إسرائيل تنسحب من الجنوب اللبناني دون أن تضع انسحاب المقاومة اللبنانية شرطاً لانسحابها. باختصار عادت الأوضاع كما كانت عليه قبل الحرب باستثناء القتل والدمار. لم نسمع عبر التاريخ أن حرباً قامت بهدف التدمير والقتل. ولا أظن أن الإسرائيليين يلقون بكل هذه الحمولة المدمرة على بلد أعزل لمجرد شهوة القتل.
دون أن أذهب بعيداً وأقرر أن هناك أهدافاً خفية من وراء تلك الحرب. الهدف هو استرجاع الجنديين والقضاء على حزب الله، ولكن حسب قرار مجلس الأمن الذي صاغته الولايات المتحدة لم يتحقق أي من هذين الهدفين ولا أي هدف آخر أعلن أثناء الحرب، فالوضع عاد كما كان قبل الحرب بل ربما أسوأ؛ لأنها أضعفت مصداقية الولايات المتحدة بين اللبنانيين وأسقطت هيبتها. فلا حزب الله انتهى ولم يولد شرق أوسط جديد.
السؤال الذي يتبادر إلى ذهني بعد هذه الحرب ما هي قدرات إسرائيل الحقيقية؟ إذا لاحظتم أن أمريكا بدأت تشحن الذخيرة والسلاح لإسرائيل بعد اندلاع الحرب بثلاثة أيام فقط. فتحت مستودعاتها في قطر وفي بريطانيا وحتى من داخل الولايات المتحدة. هل يعني هذا أن إسرائيل لا تملك من الذخيرة والقوة لأكثر من ثلاثة أيام؟ ذكَّرني هذا بحرب 73 عندما انقض الجيشان المصري والسوري على إسرائيل. إذ بعد عدة أيام استنجد حكام إسرائيل بالولايات المتحدة التي أقامت جسراً جوياً لتزويد إسرائيل بآلة حرب كاملة، وكأن إسرائيل لم تكن تملك ما يكفيها يومين أو ثلاثة.
يفسر البعض أن فشل إسرائيل في القضاء على حزب الله بالكامل في هذه الحرب بأن الحرب على مقاومة تختلف عن الحرب على جيش نظامي، أي أن المقاومة لا تظهر نفسها ولا توفر بنية عسكرية يمكن تدميرها. وهذا هو السبب الذي أطال أمد الحرب وهو أيضاً السبب الذي أدى إلى فشل الحملة العسكرية الرهيبة.
هذه الحجة تشبه قولنا لولا سلاحهم كان خذناهم.
إسرائيل تعرف قبل بدء الحرب أنها لن تواجه جيشاً نظامياً. ولا أظن أن مخابراتها غائبة عن المعركة. بل بالعكس فالحرب على حزب الله يفترض أن تكون حرب مخابرات ونحن نسمع كل يوم أن الموساد واحد من أعظم الأجهزة المخابراتية في العالم. في كل حادثة تجري في العالم نقرأ على الفور في بعض الصحف الغربية وتتبعها بعض الصحف العربية ضلوع الموساد فيها. فهي التي كشفت مخبأ عبد الله أوجلان وهي التي كشفت مخبأ صدام حسين، وهي التي زودت أمريكا بالمعلومات السرية عن أبحاث كوريا الجنوبية النووية.
لو راجعنا الأحدث التي ألمَّت بالعالم منذ تأسيس إسرائيل وحتى يومنا هذا سنجد أن جهاز الموساد كان حاضراً إن لم يكن الحاضر الأول. لكننا نلاحظ أن هذا الجهاز حاضر في كل مكان عدا المكان الذي خُلق ليكون حاضراً فيه. الصراع مع حزب الله والصراع مع حماس والجهاد. الكل توقع أن تشن إسرائيل حرباً نوعية انتقائية وسريعة للقضاء على حزب الله. فالمخابرات الإسرائيلية حددت المواقع العسكرية لحزب الله ومقار القيادة. ولكن الشيء الغريب أن الموساد عجز حتى عن تحديد موقع بث قناة المنار التابعة للحزب.
كانت إسرائيل تستخدم الطائرات للبحث عن حزب الله كانت تقصف بالتخمين، في النهاية اضطرت إلى أن تعلن أنها سوف تقصف أي سيارة تتحرك في منطقة الجنوب اللبناني والضاحية. وهذا يدل على غياب المعلومات الاستخباراتية. ويدل أيضاً أن إسرائيل شنت حرباً انتقامية لا حرباً سياسية، لا أحد يشن حرباً في ظلام دامس.
السؤال ما هي قوة إسرائيل الحقيقية؟.
فاكس 4702164 |