Saturday 19th August,200612378العددالسبت 25 ,رجب 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

لايزال مؤتمر القمة العربية مطلوباً لايزال مؤتمر القمة العربية مطلوباً
ماذا بعد لبنان؟ فلسطين..
د.علي بن شويل القرني

تعرضت الأنظمة العربية الرسمية إلى نقد جائر بلا أدنى مبرر خلال الأحداث اللبنانية بحجج غير منطقية، وبادعاءات زائفة ساهمت فيها قنوات عربية عرفت بدورها في تأجيج المشاعر، وفتح المجال أمام مرتادي بارات أوروبا، وأندية الشوارع الضيقة في بعض العواصم العربية، وأصحاب الأهواء الشاذة والمعايير غير المتوازنة.. وعلى الرغم من كون كل عربي ومسلم قد تألم من الأحداث اللبنانية التي خرقت فيها إسرائيل كل شرائع الإنسان، وكل حقوق البشر، وكل مشاعر الحياة الطبيعية للكون.. إلا أنه من غير المعقول أن نضع اللوم على الأنظمة العربية على أنها هي السبب، وهي التي عجزت عن رفع كاهل الألم والتعذيب والمعاناة عن المواطن اللبناني.. وهذا هو قمة السذاجة التحليلية التي امتطاها عبدالباري عطوان ومن في زمرته من مذيعي ومعدي الأخبار والبرامج المباشرة، أصحاب البطولات الزائفة، والمعارك الوهمية على صفحات الإعلام.
لقد تم تشويه مواقف دول عربية معروفة بدعمها ومساندتها للحقوق العربية على مر السنوات والعقود، وتم توجيه حزم اتهامات غير منطقية بكل المقاييس على أنها هي التي دفعت إسرائيل إلى خوض هذه الحرب، وهي التي أعطت الغطاء السياسي لحربها ضد المدنيين، وكأننا نحن العرب لا نعرف إسرائيل وطغيانها المستمر على الشعب العربي والفلسطيني خلال تاريخها السياسي منذ تأسيسها عام ثمانية وأربعين وما قبله من الجرائم البشعة التي استهدفت تهجير الفلسطينيين من ديارهم.. من يقول إن إسرائيل أخذت الغطاء السياسي من النظام العربي الرسمي هو ساذج في تحليله وفي معرفته السياسية.. ومن يدرك بعقلانية أن من قال إن بعض المغامرات التي حدثت مع إسرائيل لم تكن محسوبة أثبت الواقع أن هذا التشخيص والتحليل لبداية هذه المشكلة هو منطقي وكنا نخشاه وحدث، وكنا نتوقع مثل هذا المستقبل في 12 يوليو وحدث، وكنا نخشى هذه المعاناة والمشاكل وحدثت بكل أسف.. ومن يقرأ الأحداث العربية من تاريخ طويل يجد فعلاً أن كثيراً من أعمالنا هي عبارة عن مواقف وأحدث غير محسوبة.. فهاهم العرب في حرب 1967 دخلوا في مغامرة لم تكن محسوبة، حيث لم يكونوا مستعدين لخوض حرب ضد إسرائيل، وخسروها في ستة أيام، ومعها الجولان والضفة الغربية وسيناء.. وها هو صدام حسين يحتل بلداً عربياً مستقلاً - الكويت - بسبب مغامرة غير محسوبة وقد انتهت هذه المغامرة بنتائج وخيمة شقت الصف العربي، وأعطت المجال لضعضعة العراق وتمزيقه.. وتلت ذلك مغامرة غير محسوبة من خلال نظام صدام حسين وانتهت إلى وبال ودمار على الوطن العربي.. ولابد أن نشير هنا إلى أن تدمير مباني في نيويورك وواشنطن هي مغامرة أخرى لانزال ندفع ضريبتها إلى هذا اليوم نحن العرب والمسلمين.. ثم مقتل الحريري كان مغامرة أخرى لم تكن محسوبة، وها هي قد فرقت لبنان ومزقته إلى شيع وأحزاب.. ثم من قال إن حزب الله قد ارتكب مغامرة فلم يكن مخطئاً إذا حكمنا على النتائج التي أفضت إليها هذه الحرب وخاصة في شقها المدني.
ومن يقرأ تاريخ وأحداث العالم العربي يلاحظ أن الأحداث الكبرى تحركها مغامرات سياسية غير محسوبة.. ويقوم بهذه المغامرات شخص أو قائد أو حزب أو جماعة دون تنسيق مع الإجماع العربي.. وتصبح الأنظمة العربية في مواجهة لمحاولة احتواء هذه المآزق والأزمات التي تدفع بها هذه المغامرات.. وقد تبدو هذه المغامرات أمام الشارع العربي بطولات فذة ومعارك كبرى، ولكننا نجد في نهاية المطاف أن هذا الشارع هو الذي يكون ضحية مثل هذه المغامرات.
ونعود إلى الوضع الراهن، لنقول مرة أخرى إن الأنظمة الرسمية العربية التي كانت صريحة في تحليلها لجوهر المشكلة في بدايتها لم تتوانَ عن دعم الموقف اللبناني، ولم تخذل الشعب اللبناني.. بل وقفت وقفة شقيق وصديق ومحب ورفيق.. فقد دعمت بالمال الكثير، وبالمواقف السياسية الكثير من أجل أن تنتزع لبنان من مأزقه الذي عاشه، ومن محنته التي اكتوى بها.. وحاولت رفع المعاناة وتبديد الألم، ودعم مواقفه الدولية والداخلية من أجل تهيئة فرص الخروج من هذه الأزمة الكبرى التي حلت به.. وتحديداً فإن مواقف المملكة العربية السعودية جسدت هذه الأخوة التي تربط بين المملكة ولبنان، وبين المملكة ودعمها المستمر للحقوق العربية.. وعندما شخصت المشكلة من بدايتها، فهي لم تتقاعس عن دعم الصمود اللبناني ومواقفه الدولية.. والمملكة رحبت ودعمت عقد قمة عربية في لبنان لبحث هذه الأزمة، وأناطت تنظيم ذلك بالجامعة العربية.. وتدور حالياً في كواليس الجامعة محاولة لتنظيم هذه القمة العربية الكبرى التي تسعى إلى لملمة المواقف المتناثرة، ورأب الصدع العربي، وتهيئة ظروف اقتصادية مناسبة لإعادة بناء لبنان، وتعويض الخسائر.
وأود أن أتداخل هنا في الأجندة العربية لهذه القمة، مقترحاً أن يكون موضوع القمة ليس لبنان فقط، بل لبنان وفلسطين.. ومبرر هذا المقترح هو أن فلسطين ستكون هي الجبهة الأخرى التي ستحاول إسرائيل الانقضاض عليها في الأيام والأسابيع القادمة، وستكون هي ساحة المعركة التالية لجيش الاحتلال الإسرائيلي.. ولهذا فيجب أن تستبق القمة هذا المخطط الإسرائيلي لمحاولة وقفه قبل أن تبدأ إسرائيل في تحريك قواتها من لبنان إلى غزة والضفة.
ونحن نعلم أن هذه الحرب على الجبهة اللبنانية قد كلفت إسرائيل الكثير من الهزائم، وهي بصدد البحث عن معارك وهمية تبدو فيها منتصرة.. وقد لا تجد ذلك إلا من خلال اجتياحات مستمرة وجديدة على الشعب الأعزل في فلسطين؛ لتخلق من ذلك معارك انتصار وهمية.. ولهذا فإن مؤتمر القمة - في نظري - ينبغي أن يفوت هذه الفرصة على إسرائيل من خلال لفت انتباه الرأي العام العالمي ومراكز القوة والنفوذ الدولي إلى مثل هذا المخطط.. كما ينبغي أن تجد السلطة الفلسطينية دعماً سياسياً ومادياً كبيراً في حربها ضد إسرائيل.. ولو كان العنوان القادم للقمة العربية هو لبنان فقط، فستكون القمة متأخرة عن ساحة الميدان السياسي والعسكري العربي، ولكن يجب أن يكون العنوان هو لبنان وفلسطين.. فلبنان هو دعم استقرارها، وفلسطين هو انتشالها من المأزق الذي تعيشه منذ أكثر من عام على حكومة حماس.. والمهم في أجندة القمة العربية هو أن تسعى إلى التأثير على القرار الدولي في الضغط على إسرائيل من أجل أن تتفاوض مع الفلسطينيين وتعود إلى أجندة خارطة الطريق، التي قد تبدو أنها منسية خلال السنتين الماضيتين.
وينبغي أن تستثمر هذه القمة العربية التداعيات السلبية التي لحقت بإسرائيل جراء حربها ضد المدنيين في لبنان، والتصدع الداخلي لكيانها العسكري والسياسي، والصورة القبيحة التي واجهتها وتواجهها في الخارج من أجل استدعاء مواقف دولية إلى جانب الحق الفلسطيني.. وكما قالت وكررت كونداليزا رايس ورئيسها جورج بوش إبان هذه الأزمة بأننا يجب أن نعود إلى الجذور في مشاكل الشرق الأوسط لوضع الحلول المناسبة لها.. ففلسطين هي الجذر الأول في هذه المعادلة.
رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية
للإعلام والاتصال

أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الملك سعود

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved