Saturday 19th August,200612378العددالسبت 25 ,رجب 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

ليل يستجدي الصباح ليل يستجدي الصباح
د. عبد المحسن بن عبد الله التويجري

كيان الإنسان وإن ظهر ما يؤكد نبضاً من حياة ووجوداً دليله تواصل الأداء الوظيفي من خلال أعضائه فإنه ينفي حلول الآجل، ولا يؤكد بالضرورة مضمون الكيف لهذه الحياة ومكانه من الإمكان الذي يؤثر ويتأثر من خلال تفاعل الحركة بالوعي نحو كثير من حوله، وألغاز في داخله، ومن أمامه أكوان تعشقها المعرفة، وأن تنهل من كنوزها ما يؤكد سمو الذات وجوداً لا تحد من حركته عوامل عجز أو خلل في العزيمة بأثر من كسل في العقل وهبوط في الملكة الروحية، وكلاهما يحظى بدعوة كريمة نحو حركة آفاقها تتسع لكل القدرات والمواهب، وعلى هذا الطريق يتأكد الانتماء إلى أصل الإنسانية كبذرة واحدة، وإن تباينت جذورها وأشجارها وما تقطفه مسؤولية الحياة من ثمارها.
فالموجود في مكانه وزمانه لا ندرك إمكانه إلا من خلال حركة هادفة قد تبدأ خيالاً يتحقق من بعده حصيلة يستوعبها الفهم نظرياً ومع التطبيق، والوجود قضاء تحقق بتواصل خلق من بعد خلق متزود بوسائل من الحواس التي يتوجها عقل غني بمادته ومرونة في تفعيل ما وهب وقدرة السعي نحو ما يكتسب.
وربما أن الفاصل بين إدراك وآخر سلطان يسبق آخر نحو ما توجه به رياحه ما بين انحياز مطلق للذة والاسترخاء، أو أن تصغي المدارك لحكمة العقل ومسؤولية التميز نحو واجب من الأداء معه يحقق الوسطية المبتقاة، وهي المستقيم من بين منعطفات كثر وتعرجات وحفر يميز مسلكها، وهو غاية الموجود.
الحياة قيمة ومعنى تستدعي السريع من التطور وفق منهاج من التفوق والنجاح ليأتي بقوة تصون الأمن والسلام مع النفس في حالة من تصالح تسمو به الملكة الروحية ويزهو بها العقل علماً وسعة في الأفق تهيئ الوسائل لاستقرار كريم في وطن أكرم لا ينال منه ولا من كرامة بناته آثم استطالة ذراعه أحق علينا بترها بقصاص الحق، وفي هذا المحصلة من استفزاز المواهب واستدعاء الفطنة وتفعيل ما أمكن من سعة الأفق لبصيرة تستوعب من الماضي دافعاً لحاضر ينهض بجهد الآتي وفق إمكان لا يتجاوز قدره بل يعتمد على حسابات ما أعددنا من بذل هادف يدرك الغاية بحسن الوسائل وقوة المضمون دون طغيان أو الظن به. ولا أحد منا يحلم أن يتشابه أبناء المجتمع الواحد في بنية التفاصيل، ولكن الكل يتمنى وحدة الغاية وتضافر الجهد نحو هدف تعرفه وتملك الإرادة في كل مسعى نحوه، والوسائل متاحة، وإن تكاسل التفعيل توارت الهمم وحلّ بالمناخ ضيق حارق كئيب مانع لما بعده من فصول وفق النسق المقدر. وفي هذا كل الانسجام مع دروب الحياة الزاخرة والمبشرة بحياة لا يستحيل معها الأمل الذي يعزز أحلامه إيمان وجهد بعلم يمنح سعة من ثقافة تربي وتصيغ وسائل لها من حسابات القادم والتخطيط له ما يليق بالأمل والحلم ويحتمه الوجود العاقل الملتزم بإيمانه وتفاصيل ما تقوي به من طاقة روحية تجعل من كل متاح مادي أو غيره وسيلة لغاية من خير ينعم به حاضرنا ويأمن به مستقبلنا.وربما أن الظن يأخذ بعداً من القصد بأن في هذا مثالية لحلم بوسائل تنسجها خيوط من سراب، وقد يلتقي من حول السراب من يرى بعين زرقاء اليمامة ليؤكد لنا أن هذه الغاية وتلك الوسائل وتفعيل الجهد من روح الوسطية التي أساس حياتنا بني عليها بتأكيد عالم حكيم، والوسطية وما تعنيه وكثير من تفاصيلها يدركه من أجهد فكره في مناهجها وسبل الأخذ بها والوصول إليها؛ فبها الأمر يستقيم.
ومن خيار كل مجتمع دعاة لها مؤمنون يأخذون بالفهم وفق مراحله فينفذ المنهاج سهلاً وله مذاق يغري بالمضي قرباً فقرباً من الغاية، وكل مقدر مأذون به من الخالق هو في طاقتنا وواجبه يكمن في الجهد بوعي والإحاطة بالظروف والوسائل التي لا تأذن لإرعاب ولا عنف ولا عدوان على كرامة من نستنهض الخير من أجلهم.
ومن بديهيات وسائل تعميم الوعي بقضية كتلك أن نختصر المسافة بين كلمة هدفها نشر الوعي وبين كل من يصغي بفهم يتبعه منهاج من عمل.
وحماية الأوطان ليست بالقوة المدمرة التي لا عقل لها ولا وعي يحصن خطورة ما تغري به، وقبل هذا ومن بعده تماسك أبنائه وفق مفاهيم متقاربة وأهداف يدرك الكل مكانه من الواجب والمسؤولية بمراحل المسير والحفاظ على نتائجه.
والثقافة والعلم قوة بناء وطاقة لكل تطور، وهذا كله مجتمع بقوته ومتانته لا بد أن يكون منطلقه من روح الوسطية لتسود كهدف وغاية وحل وبديل لكل اجتهاد عرفناه أو قد يأتي به من يدعي التعريف بما لا يعرف.ومنهاج الوسطية أمان بمحتواه الجامع لكل القيم والأخلاق الإنسانية التي تصنع حضارة بكل ما تعنيه وليس التعويض عنها بأي منهاج من تقدم مادي يفتقر إلى جملة من الروحانيات التي سرّ الحضارة الإنسانية من نبع تلك الروحانيات التي نقدسها ونعبد الله بوسائلها.
وأي رحلة لا تعرف شيئاً عن ما بعدها فهي رحلة في الفراغ وإبحار لمغامر، ورحلة الحياة الأولى يليها خلود وبقاء أقداره بيد عليا لا يُعلى عليها تُقرر بما تشاء، وفيما تقرره نفاذ الأمر من لدن عليم حكيم، وإن كان للمنطق مجال فلكل منهاج دعم من خطة يصيغ فحواها من يعنيه أمرها، وهي ليست بمنهاج ولا خطة إذا خلت من نقطة انطلاق متفق عليها تنتهي بكمال تمنحه نقطة الوصول، على أن يواكب ما بينهما جهد فعال مؤمن بالمنهاج والخطة والطريق.
والمحصلة أن صفاء العقل والنفس المحصن بأهداف من قيم وأخلاق في توجه يرصد المصاعب مدركاً لعواصف من رياح عاتية، لكنها تجل الجهاد والاجتهاد الذي جوهره معرفة الحق - عز وجل - اتكالاً يستجدي من قوته قوة على المسير، والغاية أن نصل إلى الوسطية وهي التكامل والحادي للمستقيم.


وفي الجهل قبل الموت موت لأهله
فأجسادهم دون القبور قبور

الماوردي

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved