Saturday 19th August,200612378العددالسبت 25 ,رجب 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

يارا يارا
المثقف
عبدالله بن بخيت

قرأت بداية حوار مع الكاتبة السورية غادة السمان في مجلة اليمامة. بذلت جهداً لأتمه ولكني عجزت. لماذا؟ غادة السمان جزء من مراهقتي الثقافية. كانت المرأة والتخيلات التي تنفخها الكتابات الحالمة التي نقرأها هي زاد المعرفة الأول. لماذا أمل من غادة ومن صورتها الملتوية العابرة للزمن. لم أتخيل أن يأتي اليوم الذي سوف أعزف عن قراءة مقابلة مع روائي أو روائية. وخاصة غادة السمان، الروائية التي بدأت كل ما نقرأه من روايات نسائية من أحلام مستغانمي مروراً ببدرية البشر وانتهاءً بآلاء الهذلول. هي أول من ألمح للجنس بالقلم والصورة. فجرت طاقات التخيل عند مراهقي الستينات والسبعينات. مرت أكثر من خمس وعشرين سنة على آخر رواية قرأتها لها. حدثت أشياء كثيرة في هذا العالم جعل غادة وغيرها يتلاشى. عندما أقارن بين ما قرأته من أعمال غادة وبين آخر الروايات التي قرأتها لا أجد أي صلة كأني انتقلت إلى كوكب آخر يتحدث أهله عن مواضيع لا سابقة لها وبلغات لم يعهد مثلها البشر. حاولت أن أعقد مقارنة بينها وبين روايات كويلو أو دان بروان الخ أبحث فيها عن التشابه والاختلاف. أعمالها لا تشبه الأعمال الحديثة ولا تختلف عنها. كأنك تعقد مقارنة بين الطائرة والحجر.
تخيلت المسافة بين اليوم وبين السبعينات. كيف كان يكتب المثقف وكيف ينظر وكيف يفكر. السبعينات هي الزمن التي تأصلت فيها روح الرقابة على الكتب التي ما زلنا نعاني منها حتى اليوم. لا يوجد كتب في المكتبات، تحولت إلى دكاكين أدوات قرطاسية باستثناء كتب التراث والكتب الدينية التي نشاهد جزءاً كبيراً منها حتى الآن في مكتبات المملكة. قرأت أول رواية لغادة في البحرين. كنا نقرأ الكتاب قبل تهريبه. الكتب المهمة يجب قراءتها في البحرين ثم تهريبها استعداداً لأسوأ الأحوال. لا يمكن أن يتخيل الإنسان لذة قراءة الكتاب الممنوع إلا من جربها.
تشكلت ثقافة متكاملة وناضجة للكتب المهربة والممنوعة في المملكة. عندما تدخل بيت أي مثقف ستجد أن تسعاً وتسعين في المائة من مقتنياته من الكتب وصل تهريباً. يفقد الكتاب قيمته إذا سُمح ببيعه في المكتبات المحلية. أخيراً تكونت نظرة ازدراء لكتب التراث والكتب الصفراء الأخرى. الطريف أن المرء لا يمكن أن يقرأ كل الكتب التي هربها لأن كل الكتب في العالم ممنوعة. من يستطيع أن يقرأ كل ا لكتب التي تصدر في العالم. قادت هذه إلى ولادة المثقف السعودي الفسيفسائي. في كل مرة يسافر إلى البحرين أو القاهرة أو لندن يعود محملاً بعشرات الكتب وفي قلبه شوق لقراءتها كلها. يبدأ في قراءة الكتاب الأول وعينه على الكتاب الثاني وقبل أن يصيبه الملل يلتفت على الكتاب الثالث ثم الرابع ثم الخامس. يقرأ من كل كتاب عشر صفحات تزيد أو تنقص فيحين موعد السفرة الثانية ليعود بعشرات الكتب الأخرى الجديدة. ليبدأ رحلة جديدة من التقلبات والأوراق المختلفة. قراءة المثقفين للكتب في السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي تشبه مشاهدة الشياب (كبار السن) هذه الأيام للفضائيات. في نهاية السهرة يتذكر أنه شاهد امرأةً ترقص ورجلاً يتحدث إلى رجل آخر وأمريكياً يركض وفي يده مسدس وجنود يعبرون النهر وصورة لرئيس دولة لا يعرف اسمه. يستجمع مشاهد مبعثرة كمن يتذكر حلم ليلة البارحة. لم يتوقف عند قناة بعينها أكثر من دقيقة واحدة. في النهاية يظن أنه شاهد كل شيء والتقط كل شيء وهو لا يعرف أي شيء. متعة الوفرة. عندما تقرأ مقالة أو قصة لكاتب سعودي من كتاب السبعينات والثمانينات ستجد أن التبعثر سمتها الأولى. تحس أنه يعاني من مشكلة مع الذاكرة ومع المواقف ومع الإيديولوجيات مع ما يحبه وما يكرهه، مقال ينتج لك عالماً من الفنتازيا. عروبي حداثي يساري سياسي إبداعي موقفك من المقال سيقرره السطر الذي تتوقف عنده. أما إذا أكملت المقال فستنتهي إلى الإحساس بالوهم، كما هو إحساسك هذه اللحظة بعد أن أكملت هذا المقال.

فاكس 4702164

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved