تتضخَّم فواجعنا
هل يمكننا الآن أن نتعقَّم من أدرانها؟.....
كيف لنا أن نصل لروافد تطهير؟.....
أو نأتلف مع قطعة حلوى في أفواهنا تكمم ثورة الغضب وتلجم تيار حنق الحزن...
أجل الحزن يحنق والغضب يحزن.....
كلاهما لا يتسللان لمنافذ الألم إلا أن يكون الرهان على البقاء الأطول......
فالألم مقايض للبقاء لا للفناء....
الفاجعة أكبر من التَّخيل لكنَّها ليست أبعد من التَّوقع.....
كامل مؤشِّرات الأحداث... ونعيب الغربان حوَّمت على شهود الشَّجر من عصافير الخضرة وفراشات الفضاء.....
كانت تحمل ريح الحريق لا ناره.....
كنت كما عرَّابة تقودها مفازعها حتى إنَّني أشرت لنفسي مراجعة التأويل.....
في عشاء اليوم الفاجعة من على بعدٍ لفحتني سموم النَّار شقَّت عن صدري مكمن التّوجس... استعذت بالله العظيم قبل آخر فرض صليته كي يُبطل رؤيتها.....
لكنَّني يبدو قد عبَّرتها قبل الاستعاذة فنفذت.....
أشلاء الصغار ونقائض العمران وغربة الإنسان.....
والبوم تنعق ضاحكة تمسح بيدها على آخر لعاب استطعمت فيه لذة (التبولة)
و(فطائر الزعتر).....
وليتها تذوَّقت فجيعة التُّراب بلحم الصِّغار... ونهم النَّار لدم البراءة.....
ليتها استعادت ما قاله ابن عرقها عن كفاحهم للحرية بعد العبودية فإذا بها تصلي لحِصار الحريَّات... ووأد الفضاء الرَّحب...
كنت أنوي ممارسة الكتابة لأنَّها النَّهر الوحيد الذي تعودت أن أزجَّ فيه نفسي كي أشعر برويِّه... وأتطهر...
لكنَّني لم أفلح.....
كما أسلاك النَّار الكلمات تحاصرني للمرة الأولى أجد أبجديَّتي ليست ورْداً.....
تتقافز بين عينيَّ الرُّوشة... ونبع الصفا... جعيتا... وجون... رمانة... وبعلبك.....
بيروت بأناسها القريبين من النفس... الأنيقين برفاهة.....
بيروت في وهج الثقافة... ولبنان في ذاكرة النهضة....
وبينهما بيروت الأحزاب... والصراعات...
وبيروت الحروب... والشّتات...
وبيروت الانفتاح الملوَّن.....
ولبنان الوجبة المنتظرة لطاولة التَّغيير... وتفسير الخارطة الخفيَّة لنوايا الهيمنة والتّسلط....
فيما جروح مسلسل الفقد لا تندمل لحظة من انتباهة في فلسطين.....
كأن أوَّل هاتف راودني أن أصل كلّ من هناك.....
الناس في الجبل.....
والحرب ليست تفاصيلها تصل للنَّوايا لذلك لم تكن أصواتهم تحمل نبوءات الفجائع.....
خاطرني عزمٌ أن أطمئن عليه... الشاعر الوجيه... بقلبه الطيب وأُسرته القريبة
د. عبد العزيز خوجة..... السفير الدبلوماسي...
كان صوته أقرب من صوت حفيف القلم.....
لملمت أوراقي واتجهت للصَّمت تسمَّرت أمام التلفاز كالقطة الفارَّة من لهب.....
وكما لم أتعوَّد أن يكون لي مع شاشته سوى وجبة أخبار في نهاية كلِّ مساء...
الحرب وجهٌ ملبَّد بالحكايات لنوايا كثيرة لن تبقي ولن تذر.....
همُّها الأول والأخير استنزاف الإنسانية وحرية الشعوب.
|