كثيراً، على الصعيد الشخصي، ما يبتلى المرء بمن يتقصّد الإساءة إليه؛ تصفيةً لحساب، أو بسبب غيرة، أو ربما لمقاصد أخرى بعيدة عن الجانب الذي حصل فيه هذا الاستفزاز.
والأمر نفسه يقع بين الدول والحكومات، وهنا تكون المسألة أكثر تعقيداً؛ لأن التعامل مع المماحكات السياسية قد ينتقل عبر وسائل الإعلام، ويعلم بها القاصي والداني؛ فيحتار الطرف الثاني في كيفية الرد، وفي توقيته وحجمه، وفي تحديد الوسيلة التي يرد بها.
إن المقال لا يهدف إلى التنظير والطرح المدرسي، لكنه يصوّر بعض ما تواجهه المجتمعات والأنظمة من تحرّشات إعلامية أو سياسية وحسّية، عشنا ذروتها في الستينات، وما زالت تظهر بين حين وحين، وقد جرت العادة، عندما يحصل موقف كهذا، أن تتطلع الأنظار إلى الطرف الذي توجهت إليه الإساءة؛ لترى كيف سيكون الردّ، وهل سيكون سريعاً أو متمهلاً، وهل سيكون بحجم الإيذاء، وهل سيكون مقنعاً ومؤثراً، وذلك فضلاً عن الوسيلة التي سيُصار إلى استخدامها؟
إن الاستفزاز السياسي والإعلامي، سواء جاء من دولة أو صدر على مستوى شخصي، قد يمس أموراً لا يحسن الصمت حيالها، على اعتبار أن السكوت يعني أحياناً صحة ما قيل والاعتراف به؛ من هنا تتساوى المقارنة بين ما هو شخصي وما هو سياسي أو إعلامي؛ لأن المبدأ واحد، والضرر متشابه، والغيظ الناتج عنهما متقارب، مع فارق رئيسي واحد وهو العلنية والانتشار.
وبينما يتطلب الرد على الإساءة والاستفزاز الشخصي والإعلامي والسياسي كثيراً من الحنكة والحكمة والمقدرة المهنية، فإن المبادأة في الاستفزاز لا تدل بالضرورة على القوة ولا تتطلب شيئاً من المهارة، بل إنها، في الحقيقة، أقرب إلى الضعف ورداءة التفكير.
لقد جرّبت بعض الأنظمة الوقورة تطبيق مدرستين في مثل هذه الأوضاع، وأعني بهما منهج الصمت ومنهج الرد، أو لنقُل خط الصمت والترفع، وخطّ الشفافية والانفتاح؛ فانتقلت من مدرسة الإغفال، إلى مدرسة الردّ على كل شيء، ما يستحق منها وما لا يستحق، وصارت تبادر إلى الردّ بشكل مباشر أو غير مباشر؛ تجاوباً مع متطلبات الانفتاح الإعلامي، إلا أن الخطورة في مثل هذه الحال أن يتبع الردّ نهجاً لا يحقق الغرض، أو أن يحيف عن الجادة المثلى للرد الأسلم، بحيث يكون الصمت معها أفضل وأجدى.
قد تتعدد صور الاستفزازات، بين ما يصدر عن سبق إصرار ورغبة في الإيذاء، وبين ما يأتي في سياق عابر أو غير مقصود إلا أن المُتصور أن ما يتطلب الرد الموضوعي والهادئ هو ما يصدر عن حسن نية أو سوء فهم، أما ما عدا ذلك فإن التجاهل والصمت هما العلاج الأفضل لقطع الطريق على التمادي في الحركات الصبيانية التي تنهجها بعض وسائل الإعلام.
إن تلقي الإساءة بالصبر والحكمة والصمت، مع شيء من المجاملة والدبلوماسية، هو خلق بحد ذاته، وهو في الوقت نفسه، عقار قاتل، يفوق في تأثيره ما تفعله التشنجات والمهاترات، وهو الأسلوب الأمثل في التعامل مع الإساءة، دبلوماسية كانت أم شخصية، وهو الأدعى لأن يبقى المرء محل الإكبار والاحترام.
إنها دعوة ملحّة لفرز ما تُبلى به المجتمعات من مِحَن الإساءات والاستفزازات؛ لتقرير الأسلوب الذي يناسب كل حالة، معتقداً بأن نسبة كبيرة منها لا تستحق أصلاً إلا التجاهل والترفع عملاً بالآية الكريمة: {... قَالُوا سَلَامًا}
|