* كتب - علي المفضي:
هل يبكي الرجال؟ وما الذي يجبرهم على ذلك وهم الذين يصنعون التاريخ ويسطّرون ملاحم النصر ويخوضون عباب الزمن ويطوّعون المستحيل وينهضون بالأمم، فخرهم بصلابتهم واستحالة ذلهم واستسلامهم ولكن الشعر يؤكد أنهم أقل مما يحاولون إيصاله إلينا وقد لا يدرك حالات الشاعر من يظن أن قائل:
ومرهف سرتُ بين الجحفلين به
حتى ضربت وموج الموت يلتطمُ
فالخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ
وغيرها من الأبيات التي توحي بالشدة والقسوة والنرجسية المفرطة والعزة والفخر والاعتزاز والاعتداد بالنفس والهدف، ليس هو المتنبي الذي يقول أيضاً:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طللٍ
دعا فلبّاه قبل الركب والإبل
ظللتُ بين أصيحابي أكفكفه
وظل يسفح بين العُذر والعدْل
أشكو النوى ولهم من عبرتي عجب
كذاك كنتُ وما أشكو سوى الكلل
وما صبابة مشتاق على أمل
من اللقاء كمشتاقٍ بلا أمل
إن من أشد العجب أن تسيل دموع الرجال الذين يواجهون الموت في المعارك دون أن يرف لهم جفن أو تطرف لهم عين ولِمَ؟ إنها الصبابة كما قال أبو فراس الحمداني:
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى
وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانحي
إذا هي أذكتها الصبابة والفكر
والأمير خالد الفيصل حاول أن يستتر خلف جَلَدِهِ وتجلّده إلا أن الصدق أعطى لدمعه الإذن المطلق متجاهلاً الحواجز والمتاريس والمسؤوليات والمقام والمكانة. وهذا الصدق الإنساني الذي يتساوى به الناس وما قصيدة (المعاناة) منا ببعيدة وحينما لم تمتثل الدمعة لخالد الفيصل لم يخف هزيمته أمامها بل دوّن ذلك في كتابٍ حين قال:
يا ما سهر طرفي على حبس عبره
اردها والوجد للدمع جذاب
دمع حدر جا له على المنع جسره
عظيم وجدي للدمع شرّع الباب
أما أحمد الناصر الشايع فقد أثبت أن الرجال يمكن أن تتداعى دموعهم سيالة لحظة خوف من فراق أو يأس من لقاء ونحن هنا نجد له العذر كل العذر لأننا على يقين من صدق مشاعره.
هل دمعي على خدي نهار الوداع
يوم قالوا بامان الله جاني بلاي
وما الذي جرى بعد ذلك؟؟
صرت مثل الغرير اللي بسن الرضاع
اتضيّم واصيح صياح من غير راي
وما الداعي لكل هذا المأتم؟؟
خايفٍ من فراقٍ ما وراه اجتماع
يالله اليوم لا تقطع رجاه ورجاي
أما عبدالله السياري الذي أمضّه الحب وأرّقه الشجن فلم يكتف بدمعة يريقها بل تجاوز الدمع إلى النواح وعلى مسمع من جيرانه الذين ربما تمنّوا من الحبيب أن يرق ليهنؤوا بنومهم:
يا طول ما جيت لك من جورك اشكي لك
ويا طول ما اسهرت جاري من صدى نوحي
والأعجب من ذلك أن صنيتان المطيري أمضى عاماً يتحيّن به الفرصة ليسكب دمعه بكل أريحية:
كنّ الدموع اللي بعيني من العام
في مثل هالموقف بقت تحتريني
وزميلنا الحميدي الحربي ما زال يجد في مصدر ألمه وفرحه القديم ما قال عنه:
اشوف لك في كل شيء بقايا
في ضحكتي في دمعتي في قصيدي
إنه الحب الذي أجبرهم على الاعتراف والتداعي أمام أوامره الصارمة وقوانينه العجيبة فشكراً له من القلب فقد كان الداعي للتداعي والصدق المحبب.