* أهداني الكاتب العصامي، تكويناً وحرفاً، الأستاذ محمد الفايدي نسخةً من كتابه (كلام لا يهم أحداً)، بدأ ذلك عبر رسالة رقيقة منه يطلب فيها إهداءه نسخةً من كتابي (قطرات من سحائب الذكرى) الذي صدر أوائل هذا العام عن دار العبيكان للطباعة والنشر، وأشار في رسالته تلك إلى أنه قرأ عن الكتاب في أكثر من موقع، وأنه (يعشق) العصاميِّين وحكاياتهم، ولذا رغب الاطلاع على كتابي سالف الذكر.
***
* استجبتُ لطلبه في الحال، ثم بادرني بالفضل فأهداني نسخةً من كتابه المشار إليه، ولم أُضِعْ وقتاً في قراءة الجزء الأكبر منه، وهو يضمُّ عدداً من مقالات له سبق أن نشرها في بعض الصحف اليومية، وقد أُعجبتُ بما قرأتُ لعدة أسباب، أهمُّها المقدمة الضافية التي أبدعتها (ريشةُ) عازف الحرف الرقيق الدكتور عبد الله مناع، استعرض من خلالها في تسع صفحاتٍ سمانٍ ملامحَ ومحطات مهمة في سيرة محمد الفايدي.
***
* وأستأذن الدكتور المناع في الاقتباس بشيء من التصرُّف لبعض مما جاء في مقدمته الجميلة؛ إذ ذكر أن محمد الفايدي قدم إلى جدة يتيماً مع كافله من بلدة أملج، حيث لم يستطع أن يكابد قسوة الإبحار الدائم لصيد الأسماك مع أبناء عمه وأترابه في السفن الشراعية عبر شواطئ البحر الأحمر شمالاً وجنوباً، وقد عاش في كنف كافِلِه وزَوْجِه في جدة، وقاسمَهُما الكفافَ عيشاً وملحاً، وكان كافله يعود كلّ يوم إلى منزله متأبِّطاً قُصَاصَاتٍ من صحف قديمة لفّ بها شيئاً من طعام له ولزوجه واليتيم معهما، ووجد محمد متعةً في قراءة تلك القُصاصات الصحفية القديمة بعد أن كان قد توقَّف موكب تعليمه بنهاية المرحلة الابتدائية بسبب عُسْر الحياة وكَلَف العيش، وكلما توفّر لديه شيء من مصروفه الزهيد سارع لشراء صحيفة أو أكثر يُشْبِعُ بها لهفه للقراءة، فإذا لم يجد ما يقرؤه عبر بأذنيه مساحات الأثير متنقلاً بين بعض الإذاعات العربية، والمصرية بخاصة، متأملاً ما تبثه من أخبار وأحاديث وتعليقات!.
***
* وهكذا.. وُلِدَ لدى محمد الفايدي عشْقُ الحرف، وتلك قصة أخرى عانى في مساراتها الكثير الكثير، وقد قاده طموحُه وعصاميَّتُهُ وصَبْرُه إلى (احتراف) الكتابة بعد سنين في بعض الصحف الصادرة من جدة، ورسَا به زورقُ القلم في مرْفأ عمُوده الشهير (كلام لا يهمُّ أحداً)، وهو بعض حصادِ كتابه الموسوم بالعنوان ذاته.
***
* من جهة أخرى، استمتعْتُ بقراءة كتاب محمد الفايدي وتراءتْ لي الملاحظاتُ التالية:
1- كَمْ أتمنّى لو أن الكاتبَ القديرَ د. عبد الله مناع لم يكتفِ بمقدمته الضافية عن الكتاب؛ ترجمةً وسيرةً، بل أفردها في كتاب مستقل مع شيء من الإسهاب؛ ففي سيرة الفايدي خزائنُ من القول ممّا يستحقّ أن يُرْوى؛ فقد كان طفلاً حين داهَمَه اليُتْمُ، وعاشَ مواجهةً قاسيةً مع الشتات وأُمية الحرف وزهد العيش، و(تتلمذ) على فُتات الصحف القديمة وما تيسَّر له من الحديث منها، ثم شقَّ طريقه بصعوبة في دنيا الكتابة حتى صنع لنفسه بقلمه موْقفاً يأْسرُ الانتباه!.
2- تتميّز مقالاتُ الفايدي بالصدق والشفافية والبُعْد عن زُخرف القول مع الإيجاز، ولذا اكتسبت حروفُه (شعبيةً) أدبيةً، معجونةً (بسخرية) المعاناة التي يواجِهُها الإنسانُ العادي في تعامله مع شؤون الحياة اليومية، ولعلّ هذا سرُّ نجاح (كلام لا يهمُّ أحداً)، الزاوية بدءاً، ثم الكتاب!.
***
وبعد..
* فقد كان يمكن أن يُمضي محمد الفايدي كغيره باقي السنين من عُمره المديد بإذن الله نكرةً لا تسْترقُ نَظَراً، ولا تستفزُّ سمعاً، لولا عموده الناجح و(منازلاته) اللاّذعة نقداً لما يراه عوجاً في شؤون الحياة، وجاء هذا الكتاب ليكرّس هذا الموقف ويؤصله في أذهان الناس. أقول هذا اقتناعاً بأن ما ينشره الكاتب في صحيفة سيَّارة يتحوّل غداة اليوم التالي إلى زبد يذهب جفاءً ونسياناً ما لم يُصَنْ ويُحفظْ في كتاب، ولذا فإنني من أنصار جمْع الصالح من المقالات (الدورية أو اليومية) في كتاب.. كي تظلّ جُزءاً من موروث الوجدان الأدبي.. فلا يموتُ نفعُها أو يبُور!.
|