Monday 28th August,200612387العددالأثنين 4 ,شعبان 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الثقافية"

أصداء السيرة الذاتية أصداء السيرة الذاتية

نقدم لكم مجموعة من أصداء السيرة الذاتية قامت بكتابتها منجمة وعلى شكل مشاهد قصيرة نجيب محفوظ ونشرتها فيما بعد (كتاب في جريدة) ضمن سلسلتها الابداعية الشهيرة التي تصدر عن كبريات الصحف في الوطن العربي.. اخترنا منها بعض تلك الأصداء:
دعاء
دعوت للثورة وأنا دون السابعة.
ذهبت ذات صباح إلى مدرستي الأولية محروسا بالخادمة. سرت كمن يساق إلى سجن. بيدي كراسة وفي عيني كآبة. وفي قلبي حنين للفوضى، والهواء البارد يلسع ساقي شبه العاريتين تحت بنطلوني القصير. وجدنا المدرسة مغلقة، والفراش يقول بصوت جهير:
بسبب المظاهرات لا دراسة اليوم أيضا.
غمرتني موجة من الفرح طارت بي إلى شاطئ السعادة ومن صميم قلبي دعوت الله أن تدوم الثورة إلى الأبد?.
دين قديم
في صباي مرضت مرضاً لازمني بضعة أشهر. تغير الجو من حولي بصورة مذهلة وتغيرت المعاملة ولت دنيا الإرهاب، وتلقتني أحضان الرعاية والحنان. أمي لا تفارقني وأبي يمر عليّ في الذهاب والإياب، وأخوتي يقبلون بالهدايا لا زجر ولا تعيير بالسقوط في الامتحانات.
ولما تماثلت للشفاء خفت أشد الخوف الرجوع إلى الجحيم. عند ذاك خلق بين جوانحي شخص جديد، صممت على الاحتفاظ بجو الحنان والكرامة، إذا كان الاجتهاد مفتاح السعادة فلأجتهد مهما كلفني ذلك من عناء، وجعلت أثب من نجاح إلى نجاح، وأصبح الجميع أصدقائي وأحبائي. هيهات أن يفوز مرض بجميل الذكر مثل مرضي.
الأيام الحلوة
كنا أبناء شارع واحد تتراوح أعمارنا بين الثامنة والعاشرة وكان يتميز بقوة بدنية تفوق سنه، ويواظب على تقوية عضلاته برفع الأثقال، وكان فظا غليظا شرسا مستعدا للعراك لأتفه الأسباب، لا يفوت يوم بسلام ودون معركة، ولم يسلم من ضرباته أحد منا حتى بات شبح الكرب والعناء في حياتنا. فلا تسأل عن فرحتنا الكبرى حين علمنا أن أسرته قررت مغادرة الحي كله، شعرنا حقيقة بأننا نبدأ حياة جديدة من المودة والصفاء والسلام. ولم تغب عنا أخباره تماما. فقد احترف الرياضة وتفوق فيها وأحرز بطولات عديدة حتى اضطر إلى الاعتزال لمرض قلبه، فكدنا ننساه في غمار الشيخوخة والبعد. وكنت جالسا بمقهى الحسين عندما فوجئت به مقبلا يحمل عمره الطويل وعجزه البادي، ورآني فعرفني فابتسم، وجلس دون دعوة وبدا عليه التأثر فراح يحسب السنين العديدة التي فرقت بيننا.
ومضى يسأل عمن تذكر من الأهل والأصحاب.
ثم تنهد وسأل في حنان: هل تذكر أيامنا الحلوة؟
النسيان
من هذا العجوز الذي يغادر بيته كل صباح ليمارس رياضة المشي ما استطاع إليها سبيلا؟
إنه الشيخ مدرس اللغة العربية الذي أحيل على المعاش منذ أكثر من عشرين عاما.
كلما أدركه التعب جلس على الطوار أو السور الحجري لحديقة أي بيت، مرتكزا على عصاه مجففا عرقه بطرف جلبابه الفضفاض.
الحي يعرفه والناس يحبونه، ولكن نادرا ما يحييه أحد لضعف ذاكرته وحواسه.
أما هو فقد نسي الأهل والجيران والتلاميذ وقواعد النحو.
فرصة العمر
صادفتها تجلس تحت الشمسية، وتراقب حفيدها وهو يبني من الرمال قصورا على شاطئ البحر الأبيض، سلمنا بحرارة، جلست إلى جانبها عجوزين هادئين تحت مظلة الشيب.
وضحكت فجأة وقالت:
لا معنى للحياة في مثل عمرنا، فدعني أقص عليك قصة قديمة.
وقصت قصتها وأنا أتابعها بذهول حتى انتهت.
وعند ذلك قلت:
فرصة العمر أفلتت، يا للخسارة.
الرحمة
البيت قديم وكذلك الزوجان.
هو في الستين وهي في السبعين.
جمعهما الحب منذ ثلاثين عاما خلت، لم هجرهما مع بقية الآمال.
لولا ضيق ذات اليد لفر العصفور من القفص.
يعاني دائما من شدة نهمه للحياة، وتعاني هي من شدة الخوف ويسلي أحلام يقظته بشراء أوراق اليانصيب لعل وعسى.
كلما اشترى ورقة غمغم (رحمتك يا رب).
فيخفق قلب المرأة رعبا وتغمغم (رحمتك يا رب).
التحدي
في غمار جدل سياسي سأل أحد النواب وزيرا:
- هل تستطيع أن تدلني على شخص طاهر لم يلوث؟
- فأجاب الوزير متحديا.
- إليك - على سبيل المثال لا الحصر - الأطفال والمعتوهين والمجانين فالدنيا ما زالت بخير.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com.sa عناية رئيس التحرير/ خالد المالك
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com.sa عناية نائب رئيس التحرير/ م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2006 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved